سوداوية... نجاحها يثير القلق!

البارون: هذه النوعية من الأفلام تقوم بتبرير الجريمة للجريمة عن طريق وسائل الإعلام


الشطي: لا يحث على الذبح والقتل بقدر ما يتكلم عن ضرورة الاهتمام بالمرضى النفسيين


المسلم: يغرس في النفس السلبية ويدعو إلى الفوضى والثورة والقتل


الكاظمي: الجوكر الجديد تم إلقاؤه داخل حاوية نفايات يسميها الناس المجتمع


الطباخ: نص مغاير عما سبق تقديمه جعلنا نتعاطف نوعاً ما مع الشخصية الشريرة

الجوكر غزا العالم!
تعبير مجازي، أقل ما يمكن استخدامه لوصف ما حققه فيلم «Joker» من نجاح على مستوى العالم في دور العرض السينمائية، إذ بدا تأثيره واضحاً وجلياً على الجمهور الذي «حرص» بعضه على تكرار مشاهدته، على الرغم من أن الشخصية الرئيسية فيه (الجوكر) تتصف بكمّ كبير من الشر منذ ولادتها في القصص المصورة، مروراً بفيلم «باتمان» ووصولاً إلى استقلاليتها في الفيلم الحالي، إضافة إلى كم السوداوية الذي تختزنه دقائق الفيلم.
هذه الشخصية التي تعاني من مرض نفسي أثّر على مجرى حياتها وجعل منها شخصاً يتمتع ويستلذ بالقتل، راقت لكثير من الجمهور، بل تعاطفوا معها وقالوا إنها ضحية مجتمع قاس، الأمر الذي يدفع إلى طرح مجموعة من التساؤلات حيالها وأيضاً حيالهم، في ما يخصّ مدى إمكانية أن تؤثر الشخصية على المتلقي بصورة غير مباشرة، فتجعل منه شخصاً مسيّراً فكرياً منساقاً إلى الأفعال ذاتها في يوم من الأيام.
وفي المقابل، كانت هناك فئة من الجمهور لم تستغ ما شاهدته من أحداث وقصة، واصفة إياه بالعمل المقزز الذي يدعو إلى الكره والشر والقتل، وأن شخصية الجوكر ما هي سوى مجرمة تستحق الإعدام.
هذا الفيلم الذي أخرجه تود فيليبس وشارك بكتابته مع سكوت سيلفر، في حين لعب بطولته خواكين فينيكس، روبرت دي نيرو وزازي بيتسن، لم تتغيّر حاله لدى وصوله إلى دور السينما في الكويت، لأنه كما ذكرنا سلفاً سبب حالة من التأبين في الآراء والاختلاف ما بين مؤيد له ولفكره وبين معارض لما يطرحه ويقدمه.
ففي مضمونه هو يروي قصة حول أصول شخصية الجوكر من وجهة نظر المخرج فيليبس والظروف التي حولته إلى واحد من أشرس الأشرار في تاريخ القصص الهزلية من خلال قصة آرثر فليك، المواطن الأميركي الفقير خلال ثمانينات القرن الماضي المصاب بحالة نفسية تدعى «Pseudobulbar Affect» (التأثير البصلي الكاذب)، والذي كافح من أجل شق طريقه في مجتمع مدينة «غوثام»، وذلك بالعمل كمهرج أجير في النهار أملاً منه في أن يكون فنان «ستاند أب كوميدي» في المساء، إلا أنه يواجه سلسلة من الضغوطات النفسية والإهانات المتواصلة من جانب المجتمع، تكون السبب في ميلاد «الجوكر» الذي جسّد شخصيته الفنان خواكين فينيكس، الذي أمضى 8 أشهر لاكتشاف عمق الشخصية، وكذلك للوصول إلى المصداقية فقد كثيراً من وزنه ليتلاءم مع طبيعة الدور.
«الراي» ومن هذا الباب، أجرت استطلاعاً للرأي بين عدد من الفنانين والإعلاميين إلى جانب نقاد متخصصين في عالم السينما وأيضاً دكاترة متخصصين في علم النفس لمعرفة رأيهم في الفيلم وتبعاته النفسية على المتلقي.

نفسياً
بداية، كان الحديث مع أستاذ علم النفس في جامعة الكويت الدكتور خضر البارون، الذي قال: «هذا الفيلم أثار موجة من الخوف والهلع في أميركا، وبسببه استنفرت الشرطة ومنع الجمهور من ارتداء الأقنعة، وبالتالي هذا يدل على خوفهم من الفيلم وتبعاته، لأنهم يعلمون أن أفلامهم عامة تعتمد على إثارة الجمهور، وهناك كثيرون من محبيها. وإن عدنا إلى فيلم (الجوكر) نرى أنه قد تعرض إلى التقليل من الشأن والتنمر، وبالتالي أصبح لديه هاجس الانتقام، وهناك قسم من الجمهور قد يكون مرّ بالحالة ذاتها من التنمر – مثلاً – فيرى في شخصية الجوكر المتنفس الوحيد في التفريغ عما في داخله بالإنابة عنه».
وأكمل بارون: «عموماً، هذه النوعية من الأفلام تقوم بتبرير الجريمة للجريمة عن طريق وسائل الإعلام، وتعطي إيحاء للمتلقي عن مدى سهولة ارتكابها ثم الإفلات منها، مما أراه من وجهة نظري أمراً خاطئاً، متناسين وجود أناس مرضى نفسيين قد يسلكون الطريق ذاتها ويقلدون ما شاهدوه».
أما الدكتور حسين الشطي - مسجل أول طب نفسي، في المستشفى الأميري- فقال: «من وجهة نظري، هذا الفيلم لا يحث على الذبح والقتل بقدر ما أنه يتكلم عن نقطة مهمة، ألا وهي ضرورة الاهتمام بالمرضى النفسيين والمرض النفسي، لأن هذه تعتبر مسؤولية المجتمع بأكمله. وفي ما يخصّ الفيلم، نرى أن البطل يعاني من مرض موجود فعلاً في مجتمعنا، فهو إنسان لقي عدم الاهتمام من جميع الدوائر المجتمعية حوله بدرجاتها كلها، ما أوصله إلى مرحلة الشعور أن وجوده يشبه عدمه وأنه إنسان غير فعال بالمجتمع، الأمر الذي دفعه إلى التفكير بالانتحار في كثير من الأحيان. وبسبب غلطة اقترفها عن غير قصد عندما قتل شخصاً، وجد اهتماماً كبيراً من المجتمع تجاهه، ما جعله يستمر على النهج ذاته، وهنا بدأ يتحول إلى شخصية القاتل والفوضوي».
وأردف الشطي: «في عالم (السوشيال ميديا) هناك كثيرون ممن يبحثون عن الاهتمام، لهذا تراهم يفعلون أي شيء للحصول عليه، ولذلك تجد انجذاباً كثيراً من الجمهور نحو فيلم (Joker) كونه يحاكي نوعاً من الواقع، مع وجود إضافات درامية إليه».
وعما إذا كانت مشاهدة أفلام العنف هي السبب وراء تولّد العنف، أوضح الشطي: «في بعض المحاضرات السابقة أجروا مقارنة بين الرسوم المتحركة الأميركية واليابانية ومدى تأثيرها على الطفل، فوجدوا أن الكرتون ليس بحد ذاته ما يسبب العنف، بل هي آثار العنف نفسه (المشاهد)، وهذا الفيلم حاول أن يبيّن هذه النقطة، وهو أيضاً لا يبرر فعل المجرم والإجرام».

أهل الفن
أهل الفن كانت لهم كلمتهم، والبداية كانت مع الفنان عبدالعزيز المسلم الذي قال: «الجوكر له عشاق من فيلم (باتمان) وكذلك الجوكر في لعبتي الورق (الكوت) و(الهاند) له وقع في نفوس الناس، لذلك الاسم كان بحد ذاته نجماً وفي (البوستر) شكل المهرج له قبول عند الناس. الا أن الفيلم لم يتوافق مع الذوق العام ولم يُرضِ توقعات الجمهور وكان سوداوياً ومتناقضاً وغير منطقي. فالشخصيات غير السوية، والتي تعاني من أمراض وغير المسؤولة عن تصرفاتها، لا يعقل أن نصنفها كالإنسان العاقل الكامل الأهلية ونوقع عليه الظلم لنبرر ردود أفعاله، ونطالب بالتعاطف معه، ولا أعرف ما هي متعة تغيير المشاعر بين التعاطف مع الجوكر عندما يتعرض للضرب غير المبرر وعندما قتل والدته المرأة التي ربته».
وتابع المسلم: «الفيلم يغرس في النفس السلبية ويدعو إلى الفوضى والثورة والقتل، ولا يحمل القيم البناءة، ويريد من الناس أن يصبحوا كالمهرجين. وإن كان الفيلم يريد كشف سواد المجتمع، فللأسف أظهره سواداً مطلقاً ومهيمناً وغيّب الخير والنظام، لذلك لا يوجد توازن، وهذا ما لم نعتده من قيم أفلام هوليوود التي لا بد أن تظهر جانباً مشرقاً. الفيلم لا يصلح للشباب صغار السن، وفي المقابل يستحق الفيلم الإشادة في تمثيل الفنان البطل صاحب الشخصيات المكروهة مثل دوره في فيلم (المحارب)، وكذلك السيناريو والتصوير والإخراج كانت جيدة، إلا أن الفيلم لا يحمل طرحاً نافعاً، وترى إدارة الفيلم أن تغيير مشاعر المشاهد نجاح، وأراها لم تحقق أي تغيير في نفس المشاهد، وخرجنا من الفيلم مكتئبين، في حين يجب أن نخرج متفائلين ومتعاطفين مع الجوكر، وتقييمي له 7.5 من 10».
من جانبه، قال الفنان والمخرج عصام الكاظمي: «أعجبني كثيراً بناء قصة الفيلم المبنية على حالة مرضية نفسية حقيقية تسمى (Pseudobulbar Affect)، حيث تنتاب المصاب بها حالات من الضحك الهستيري نتيجة اختلاط مشاعر الحزن بالفرح بسبب خلل بالموصلات العصبية في الدماغ، وهو مبرر درامي قوي لضحكات الجوكر في مراحل الفيلم. كذلك، تسليط الفيلم الضوء على الماضي الاجتماعي المأسوي الذي شكل شخصية الجوكر وإصابته بالمرض نتيجة مباشرة كونه ابناً بالتبني لامرأة متزوجة من رجل مارس العنف الجسدي عليها وعلى الجوكر، إضافة لظاهرة التنمر من قبل أفراد بالمجتمع سواء في الشارع أو محطة القطار أو مكان عمله، وأخيراً من قبل مقدم البرامج الكوميدية الذي جسد دوره الفنان روبرت دينيرو. كل هذه العوامل شكلت شخصية الجوكر بشكل مأسوي إنساني بعيدة عن الظواهر غير الطبيعية، وهناك تصح المقولة المنتشرة أنه في فيلم الثمانينات كانت القصة الخلفية لنشأة الجوكر تتحدث عن إلقائه في حاوية لنفايات كيماوية، بينما في حالة الجوكرالجديد قصته الخلفية تتناسب إلى حد كبير مع المنطق وطبائع الناس، الجوكر الجديد تم إلقاؤه داخل حاوية نفايات يسميها الناس المجتمع».
أما الإعلامية والفنانة والناقدة فاطمة الطباخ، فقالت: «فيه أعلى تعايش بالأداء التمثيلي، ورؤية إخراجية جيدة وتوظيف إضاءة وصورة لونية تخدم العمل، ونص مغاير عما سبق تقديمه جعلنا نتعاطف نوعاً ما مع الشخصية الشريرة أو إيجاد عذر لها، وتقييمي له 9 من 10».
وقالت الإعلامية والناقدة حبيبة العبدالله: «أعجبني بسبب عمقه، فهو يوقعك في حيرة بين التعاطف مع البطل أو العكس، وبين أن تراه مجرماً أو ضحية.
الفيلم له العديد من التأويلات، ويجعلك تخرج من العرض وأنت تفكر ويشغل بالك، وهذا دليل على نجاح المؤلف والمخرج. أما أداء البطل خواكين فينكس، فكان ممتازاً والجميع أشاد به، لكن لا ننسى أن الدور المركب هذا قد خدمه، وأي فنان قوي يستطيع أن يبدع بتقديمه».
أما الفنان خالد أمين فقد اكتفى بالقول: «فيلم عميق جداً، تقنية عالية في الإخراج والتصوير والقصة والأداء التمثيلي».
بدوره، تحدث الكاتب فهد العليوة، فقال: «الفيلم بشكل عام جميل، الإخراج هو البطل الحقيقي حيث طغت الرؤية الإخراجية على كل عناصر العمل الأخرى وقد ينافس المخرج في التميز الإخراج الفني (Art Director) حيث التناغم الإخراجي كان كبيراً وموفقاً جداً، ففي كل كادر أو لقطة أو مشهد هناك رسالة بصرية وصورة جمالية تتماشى مع الحوار أو السيناريو بصورة إبداعية جميلة وعمق فني مؤثر، الخروج من الظلام إلى النور أو العكس، الظل والنور، تصوير الصعود أو النزول من السلالم بزاوية عكسية ترمز للحالة النفسية للشخصية كان جميلاً جداً، ألوان الصورة وامتزاجها وتدرجها استثنائي، أما ديكور الفيلم فكان عظيماً يعبر عن الفوضى النفسية التي تعيشها الشخصية، واستخدام الكتابة (الغرافيتي) في كل اللقطات كرمز أكبر للدفتر الذي يحمله الجوكر كان عبقرياً جداً، وطبعاً أداء ولا أجمل وكان مؤثراً لأبعد حد من بطل الفيلم خواكين فينيكس».
وتابع العليوة: «رغم جمال الحوارات والسيناريو، إلا أن القصة بشكل عام مستواها من جيد إلى عادي بنظري، ومن سلبيات الفيلم أيضاً أن الأداء التمثيلي للبطل كان عظيماً، بينما بقية الشخصيات والممثلين حوله كان أداؤهم ضعيفاً إلى سيئ جداً، ما سبب حالة من النشاز التمثيلي بالنسبة إليّ كمشاهد، ومن أهم عناصر الفيلم الجميلة كانت الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية، إذ ساهمت بشكل كبير في التأثير عليّ كمشاهد وإدخالي في حالة البطل النفسية. بشكل عام، فيلم رائع ويستحق الضجة الجماهيرية حوله وتقييمي له 8 من 10».

عماد النويري: الشعور بأنك أمام عمل ساحر... ربما ينبهنا أننا أمام حال من الرعب المنتظر

الناقد السينمائي عماد النويري، أبدى عن رأيه في ما يخص الفيلم، بالقول: «المداخل لفيلم (الجوكر) كثيرة، منها السياسي والاجتماعي والنفسي والفلسفي، إضافة طبعاً إلى المدخل الفني، وقراءة الفيلم تحتاج إلى التأني لتعدد مستويات القراءة من قصة إنسان محبط ومقهور ومهمش ومضطرب نفسياً، إلى اعتبار هذا الإنسان كبطل درامي معاصر ضحكته كالبكاء وبكاؤه كالضحك، وفي الحالتين يجسد البطل وقصته مرثية عصرية تضاهي ما قدمه الشاعر الإنكليزي ت. إس. إليوت في الأرض الخراب. والمرثية تدق نواقيس الخطر عن عصر قريب (قد أصبح كذلك بالفعل) يعلي من شأن العنف والقتل المجاني على يد جيل بائس ويائس ويتيم ومشرد وفاقد للابوه وتمت معاملته باحتقار وقسوة».
وتابع: «في الفيلم شحنات بصرية وتشكيلية وصوتية وأدائية عالية، لا بد وأن تجتذبك وتقودك إلى الكثير من التأمل والدهشة، والشعور بأنك أمام عمل ساحر ربما ينبهنا أننا أمام حالة من الرعب المنتظر».

قالوا عنه... باختصار

• الكاتبة مريم القلاف: فيه فلسفة عميقة وسياسة، لكن الأمل غاب عنه فكان سوداياً، وشجّع على العنف.
• المذيعة والممثلة خديجة الشايع: أعتبره من أقوى وأعمق الأفلام التي شاهدتها طوال حياتي.
• المذيعة حصة البناي: الفيلم عجيب كونه يبيّن مدى تقبل المجتمع وعدم تقبله لجميع مستويات العقول والتنمر.
• المغني حسن العطار: باختصار شديد... لم يعجبني الفيلم بتاتاً.
• الممثلة آمنة الكندري: الفيلم عجيب وحزين، ويوضح كيف أن الشخص قد يصبح شريراً، وأنه بالرغم من حزنه ما زال مبتسماً.
• المغنية بسمة الكويتية: فيلم عجيب أعطيه تقييماً فوق الممتاز، ونالت إعجابي شخصية الجوكر كيف أنها تشكلت بعديد من الشخصيات المضطربة.
• المذيعة والممثلة نسرين سروري: الفيلم تناول دراسة مهمة بالمجتمع من ناحية العقلية الجنائية والأمراض العقلية، لكن بالنسبة إليّ لم يكن كما هو متوقع
• المذيعة سازديل: أعطى كثيراً من الرسائل، أحببته كثيراً ولم أشعر بالملل على الرغم من طول مدته، وكل مشهد منه كان يشدني إلى الرغبة لمشاهدة التالي.
• الممثل والمخرج عزيز بهبهاني: الفيلم متكامل العناصر من إبداع خواكين فينيكس، ووجود مدرسة وقامة فنية مثل روبرت دي نيرو تعتبر إضافة قوية للفيلم.
• المغني طارق الخريف: الفيلم حول كيفية بناء شخصية الجوكر، لذا لم يعجبني وكان بالإمكان اختصاره إلى نصف ساعة.
• الممثلة فرح مهدي: قصته حلوة، تكلّمت عن الحالة النفسية التي صنعت الجوكر، فعلاً أبعاد الشخصية جميلة.

مستندات لها علاقة

الصور

  • شارك


اقرأ أيضا