لا تظلم من تكره

  • 12 مايو 2018 12:00 ص
  • الكاتب:| الشيخ حسن الصفار |
  •  16

في القرآن الكريم نجد نوعين من الأوامر الإلهية:
الأول: يرتبط بعلاقة الإنسان بربه كالإيمان بالله وبرسوله واليوم الآخر، وأداء العبادات، وذكر الله ودعائه.
الثاني: يرتبط بعلاقة الإنسان مع الناس، كبرّ الوالدين، وحسن الجوار والصحبة، ورعاية المحتاجين، واحترام حقوق الآخرين، وعدم العدوان عليهم.
وكلا النوعين من الأوامر الإلهية يجب الالتزام به، لكننا نلاحظ أن معظم أوساط المتدينين تولي اهتمامها الكبير للنوع الأول من تلك الأوامر الإلهية، بينما لا تحظى الأوامر التي ترتبط بالعلاقة مع الناس بنفس الدرجة من الاهتمام.
فالحرص على أداء الصلاة أكثر من الحرص على أداء الأمانة، والحذر من ارتكاب مبطلات الصوم أشدّ من الحذر من ارتكاب انتهاكات حقوق الآخرين، والاهتمام بإتقان الوضوء أكبر من الاهتمام بإتقان العمل الوظيفي.
مع أنّ الأوامر الإلهية صادرة في الجانبين، وهي في الجانب الثاني أكثر تأكيدًا، حيث تشير النصوص الدينية إلى أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ما أذنب تجاه ربه، عدا الشرك به، لكنه تعالى لا يتجاوز عن انتهاك حقّ أحد آخر إلا بتنازله.
جاء عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أنه قال: الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله تعالى: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»، وأما الظلم الذي يغفره الله تعالى فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين بعضهم من بعض. ومثله ورد عن الإمام علي «عليه السلام» في نهج البلاغة في الخطبة (176).
ويبدو من النصوص الدينية أن التعامل مع عباد الله يكشف عن مدى صدق العلاقة مع الله، فليس صادقًا من يعتدي على عباد الله ويظلمهم مهما حسنت عقيدته وزادت عبادته:
وفي الحديث ذُكرت امرأةٌ عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنّ فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها قال: هي في النار.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة.
ومن أكثر الموارد حساسية في العلاقات بين الناس التعامل مع الخصوم، فليس فخرًا حسن العلاقة مع الأحباء والأصدقاء، لكن المحك والامتحان الحقيقي هو تعامل الإنسان مع من يكرهه، لأيّ سبب كان، لاختلاف ديني أو سياسي أو اجتماعي.
إنّ كراهتك لأحدٍ لخصومتك الفكرية أو المصلحية، لا تبرر لك العدوان عليه، والبخس لشيءٍ من حقوقه، وهو ما تصرّح به الآية الكريمة: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (سورة المائدة، الآية: 8).
«يَجْرِمَنَّكُمْ»... أي لا يحملكم ولا يدفعكم، «شَنَآنُ قَوْمٍ» أي بغض قوم وعداوتهم.
وورد عن الإمام عليّ عليه السلام أنه قال: «أعدل الناس من أنصف من ظلمه».

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا