الدولة السورية لن تسترجع الجولان المحتل... لعقود مقبلة

لن تستطيع الدولة السورية استرجاع هضبة الجولان المحتلّ لعقود مقبلة بعدما «أهداها» الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي لإسرائيل، دعْماً لرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو على عتبة الانتخابات المحلية تعزيزاً لحظوظ معاودة انتخابه لدورة أخرى.
والسبب الذي يحول دون استطاعة أي حكومة في دمشق استعادة الجولان المحتلّ، هو أن الثمن المتوجّب دفعه سيكون باهظاً ويساوي حرباً مفتوحة بين الدولة السورية والكيان الإسرائيلي، وبالتالياً فإن الخيار الوحيد المتبقّي أمام دمشق هو استنساخ تجربة المقاوَمة اللبنانية وإعطاء الكلمة لحركات وطنية لا تمانع الدولة الوقوف خلفها. غير أن التركيبة اللبنانية صعبة الاستنساخ في سورية إلا إذا اعادت دمشق العلاقات القوية مع الدول العربية، وخصوصاً الدول الحليفة لأميركا.
فالمقاومة اللبنانية حرّرت غالبية الأراضي المحتلة بعد قرارٍ منفرد من رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إيهود باراك العام 2000 بالانسحاب بعدما أثخنتْه ضربات المقاومة لمواقع قواته والميليشيا اللبنانية الحليفة له المعروفة بـ «جيش لبنان الجنوبي»، ما تَسبب بمقتل أكثر من الف عسكري إسرائيلي على مدى عقدين من الاحتلال الذي قرّر الرحيل.
وفي حرب لبنان الثانية العام 2006 (الأولى كان اجتياح 1982)، لم تضرب إسرائيل بيروت وكذلك تغاضت عن أهداف كثيرة في البنى التحتية، علماً انها ضربتْ الجسور والمباني والقرى. ويعود سبب عدم تدمير إسرائيل لبنان - حتى ولو لم تستطع تحقيق أهدافها بقهر المقاومة - إلى أن البلاد كانت منقسمة بين مؤيّد لأميركا وحلفائها من دول المنطقة ومعادٍ لها. وفي رأي البعض أن هذه المعادلة فرضت على إسرائيل عدم استخدام القوة المفرطة على كل الأهداف اللبنانية كوزارة الدفاع وغيرها لأن الولايات المتحدة تعتقد أن حلفاءها يستطيعون يوماً تحجيم المقاومة وإنهاك قوّتها.
وثمة مَن يعتقد أن الوضع في سورية مختلف تماماً اليوم: فإسرائيل ومعها دول المنطقة ودول أوروبية وأميركا عملت على تغيير النظام في سورية وتدمير البلاد لإحلال الفوضى واعطاء السيطرة للجماعات التكفيرية. وقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشي يعلون ومسؤولون عسكريون أنهم يفضّلون «داعش» و«القاعدة» على الجيش السوري على حدودهم.
وحاولتْ إسرائيل تسويق إنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري - على غرار ما فعلته في لبنان في الثمانينات - لضمّ الجولان المحتلّ كأمر واقع أثناء سنوات الحرب الأولى عندما قدّرت - خطأً - أن الرئيس بشار الأسد سيسقط خلال أشهر قليلة. إلا أن استعادة الجيش السوري وحلفائه زمام المبادرة ومعاودة السيطرة على الجنوب بعد دحر القاعدة وجيش خالد بن الوليد المبايع لـ «داعش» دَفَعَ بإسرائيل الى التوجه نحو أميركا للاعتراف بسيطرتها على المرتفعات المحتلة.
والخطير أن موقف دول العالم الرافض اليوم «هدية» ترامب غير القانونية لإسرائيل يمكن أن يتغير مع مرور الزمن تماماً، كما حصل حيال فلسطين التي أصبحت اليوم بقعة صغيرة تحوطها المستوطنات والمدن التي استولت عليها إسرائيل، وآخرها اعتراف أميركا بالقدس كاملة كعاصمة لإسرائيل من دون ان تتحرك أي دولة في المنطقة ضدّ هذا القرار.
إذاً إسرائيل تعوّل على الزمن لانتزاع اعتراف دول أخرى بالجولان وكذلك بالقدس كـ«مُلْك لإسرائيل». ولكن لماذا لا تستطيع سورية استعادة الجولان المحتل؟
لدى إسرائيل وحليفتها أميركا القدرة العسكرية على تدمير كل البنى التحتية السورية لتعيد البلاد إلى عهد الظلام (الجسور والمياه والكهرباء) وعلى ضرب القواعد العسكرية والأمنية وتدميرها إذا أعلنت الدولة الحرب على إسرائيل لاستعادة الجولان تماماً كما حصل العام 1972. والمشكلة الأخرى في سورية أن الحكومة لا تملك اليوم حلفاء لأميركا بداخلها لأن السيطرة الأمنية والدستورية والتنفيذية تعود للرئيس وحده بالدرجة الأولى. ولا تملك سورية اليوم حلفاء في المنطقة يمنعون تدميرها بحال شاركتْ الدولة في الحرب على إسرائيل لاستعادة أراضيها المحتلة.
وقد عرف ذلك الرئيس حافظ الأسد الذي طلب التفاوض مع إسرائيل مقابل السلام وإعادة الجولان. إلا أن باراك لم يستطع تحمل انسحاباً من لبنان وآخَر من الجولان لأن الوضع الداخلي لم يسمح له، وتالياً رفض إعطاء بحيرة طبريا والالتزام بالاتفاق الذي كان قد وافق عليه باراك قبل القدوم إلى جنيف للتوقيع النهائي.
وكذلك عرض الرئيس بشار الأسد على أميركا العام 2010 السلام مقابل الجولان. إلا أن نتنياهو رَفَضَ حينها. إذاً فقط المقاومة السورية التي راكمتْ الخبرات على مدى سنين الحرب تستطيع استعادة الجولان المحتل إذا نسخت تجربة «حزب الله» اللبناني. إلا أن رد إسرائيل سيكون عنيفاً ولن تمنعها أي دولة لأن سورية لا تملك الرافعة السياسية الغربية التي تحميها.
لقد فشلت اليابان باستعادة الجزر الشمالية المعروفة بجزر كوريل من روسيا التي احتلتها بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تستطيع الصين بسط سيطرتها على تايوان التي تتمتع بحماية أميركية. ولن تستطيع أوكرانيا استعادة جزيرة القرم من روسيا ولا تزال سبتة ومليلية تحت حكم إسبانيا رغم مطالبة المغرب باستعادتهما.
وهناك خلافات بين أفريقيا وآسيا وباكستان وإستراليا والهند وكمبوديا وكوريا وغيرها. ولم تستطع حتى دول عظمى او دول قوية استعادة أراضيها التي تطالب بها بالقوة لأن الثمن المتوجب دفعه لذلك لا يرقى إلى مستوى استعادة الأراضي المغصوبة. وهذا ما يحصل وسيحصل للجولان المحتل الذي من المتوقع ان تتمسك به إسرائيل لسنوات طويلة مقبلة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا