هروب الفيل من مضارب الحمير

رواق

ثمة حكاية مفادها: هرب الفيل من الغابة فسألوه: لماذا هربت! فأجاب: الأسد قرر قتل كل الزرافات في الغابة فقالوا: أنت فيل ولست زرافة، فقال: أعلم ولكن الأسد كلف الحمار بالأمر وكيف يفهم الحمار أنني فيل؟
الشاهد من حكاية الفيل الفهيم، إذا أخذنا الحكمة من فمه: عندما تتولى الحمير الإدارة اهربوا!
***
يفسر البعض الهروب هزيمة وهو انتصار عظيم، عندما تدخل في خصومات غير متكافئة تهدر جهدك ووقتك وأعصابك وأحيانا صحتك ومالك، من دون أن يكون الهدف من ورائها يستحق المواجهة، فالانسحاب أولى لأن الحياة لا تنتظر والعمر نعيشه مرة واحدة فقط لا تتكرر.
***
مقولة طريفة نصها: «النحشة نص المرجلة»، لكنها في حالات كثيرة تصبح كل المرجلة، بل المرجلة كلها خصوصاً عندما يكون الطرف الآخر لا يتحلى بصفة واحدة من صفات الرجولة، وأهمها الأخلاق وشرف المنافسة والخصومة التي حين تنفجر يفجّرون!
«انحش يا الذيب».***
عندما تكون نظيفاً في بيئة قذرة اهرب قبل أن تتسخ، عندما يكون المكان ليس مكانك اهرب إلى مكانك الرحب، عندما يكون الزمان ليس زمانك اهرب إلى أزمنة أخرى أكثر انصافاً، وعندما يضيق بك البحر اهرب إلى المحيط.
***
يقول الله تعالى: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا»، والهجرة لا تعني ترك الأوطان فقط، فالوطن تحديداً هو ما نحمله وما نبنيه وليس ما نسكنه، فمعنى الوطنية يتجلى في الانتماء إلى ذاتنا أولا وإلى الأشياء المحيطة بنا عامة، التي تشبهنا والتي تختلف عنا، فتكملنا أما التي تعرقلنا فعلينا تجاوزها ولو هروبا.
***
لا تقتصر فكرة الهجرة على السفر أو مغادرة الوطن، فالأمير بدر بن عبدالمحسن يقول في قصيدة شهيرة: تعبت اسافر في عروقي ومليت من جلدي اللي ان عصيته رفضني، وهنا يلخص فكرة الاغتراب البائس، الشعور بعدم الانتماء للمحيط الأدنى فنرتقي بمغادرته، هنا تتجلى عظمة الهروب العظيم.
***
هناك من لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل، هؤلاء من يمنعون الهارب من هروبه وهم يتمنونه على طريقة تلك التي كانت تصلي وتصوم ولكنها آذت هرة بحبسها حتى ماتت فدخلت النار... فما بالكم بمن يؤذي البشر؟ مثلما تساءل الدكتور خالد المنيف، الذين يعسرون ما يسره الله ويحجبون نعمه عن عباده ويتمنون زوالها.
***
بعد مغادرته منصبه الوزاري والبرلماني عشق الفيلسوف الراحل أحمد الربعي الغوص قال بأنه اكتشف أن الصراع في البحر أقل من صراعات اليابسة، فالسمك الكبير لا يأكل السمك الصغير، إلا حين يجوع، وفي عالم الحيوان كذلك الحيوانات، لا تأكل بعضها إلا حين تجوع في حين أن البشر يأكلون بعضهم حين يشبعون ثم يشتمون بعضهم بالقول: يا حيوان!
***
الفيل حيوان لكنه أدرك قيمة ومعنى وفضيلة الهروب، حين تمتلك الحمير زمام الأمور، في حين أن كثيرا من البشر لا يدركون معنى أن من عاشر قوم أربعين يوم صار منهم، أو رحل عنهم، فلا يرحل من مضارب الحمير ويصبح منها!

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا