حسين الضو


المرايا ومعاركات البقاء... في «أفعى تأكل ذيلها» لحسين الضو

قراءة نقدية
  • 16 فبراير 2020 12:00 ص
  • الكاتب:| تسنيم الحبيب* |
  •  24

«إن ما تخلفه الأم لا يمكن محوه، هي مثل البذرة التي ينبت منها أفراد البيت كله، إن كانت خيراً فخير وإن كانت شراً فشر، وللتخلص من تلك البذرة تموت الشجرة بالكامل» الرواية ص 93
تقدم رواية «أفعى تأكل ذيلها» للكاتب والناقد حسين الضو - الصادرة عن دار أثر للنشر - شبكة من التساؤلات التي تتغذى على تحفيز فكر القارئ، وخلق عالم متضاد، هلامي أحياناً وثابت في أحيان أخرى، متخلق من ترشحات (الوعي و اللاوعي).
الرواية على قصرها تفتح نوافذ لأسراب عديدة من الأفكار، و التي تبدو للوهلة الأولى مترفة مترفعة إلا أن المتلقي من خلال الانغماس في الرواية يكتشف أنها الأكثر تماساً مع هم الإنسان ومتاعبه الأساسية، ورغم أن التقديم الذي استهلت به الرواية يعطي القليل من ملامحها أو لنقل ملامح من أجوائها إلا أن متعة الاكتشاف، والسير وسط فخاخ من الأحجيات الذكية يُبقي المتلقي رهن الدهشة.
تقوم الرواية على فكرة أساسية وهي الخلود، وذلك الدوران المستمر بين نقطة البداية والنهاية والفناء والبقاء، وتقدم من خلال الفكرة أيضاً فكرتين فرعيتين:
أ /‏‏ الوعي الذاتي.
ب/‏‏ المنشأ الأساسي.
ورغم عمق المعنى نجد البناء السردي سال بليونة، من دون تكلف بل متماهيا مع قدرة القارئ ومشبعا بلذة الحبكة ومتعة الاكتشاف.
البذرة الأولى:
تبدأ الرواية بموت الأم، الواقعة المغذية لتطور الأحداث، و تُسرد هذه الواقعة من خلال خمسة أصوات، لكل منها رؤى خاصة حول الشخصية وموتها وترشحاته، تعرض هذه الرؤى بحيادية، لكن مُعززة ببعض الرموز، وهذا من فنيات العمل، إذ كلما سارت عجلة السرد للأمام دفعت المتلقي للعودة إلى الرؤى السابقة لتعزيز فكرة ما أو استبعادها.
موت الأم هو المشكلة الأساسية و إن بدا حلاً، ففقدها يشكّل يداً جبارة تنبش في أعماق كل شخصيات العمل وتخرج مآزقها ومتاعبها لتعيدها إلى رف أمامي في الواجهة تماماً.
نحن في هذه المواجهة نستوثق من مبدأ قديم، بديهي ومتفق عليه، حول أثر الأم في الأسرة، وفي تركيبة أفرادها، ومدى أهمية المنشأ في التشكيل الإنساني، وقد ضمّن الكاتب هذه الفكرة في الرواية عبر الرسم السردي، وركزها من خلال الاقتباس الذي بدأت به القراءة و الوارد صفحة (93).
الأم هي التي أثرت على (هو) الشخصية المتحدثة الأولى في الرواية، وهي التي أفرزت الكآبة في حياة الأب، وحتى مريم التي بدت منيعة في مقتبل الأحداث، تمكن الغضب أو جور الوعي بعد الإبصار من تحرير مشاعرها السلبية المكبوتة كطفلة تنعتها الأم بـ البومة العمياء من أن تطفح على السطح فتشوهها.
فمن تكون هذه الأم؟
هل يحاول النص أن ينقد تلك الشخصية النمطية للعجوز التي يصب حقد قلبها عبر لسانها بينما تعبث يدها بالمسبحة، و يعري ذلك التدين السطحي المفرغ من مفهوم الأخلاق.
أم أن الأم هنا هي الأفعى الغوية التي شطرها (هو) من بين أغصان شجرة الجهنمية؟ فهي النفس التي تحرك الكائن وفق جوعها و تطلباتها.
أم هي المرايا التي نبصر من خلالها انعكاساتنا؟
التجريب و الشخصيات:
تتحرك الرواية من خلال الشخصيات، ما تقوله وما تعرفه عن نفسها، وبالطبع لم يكن من العبث استخدام الكاتب لرمزية المرايا التي يرسمها (هو) السارد الأول والابن الوحيد للعائلة، ما يُلاحظ بشدة هو فنية هذا التقديم وجمال التجريب في الشخصيات وآليات سردها.
نجد أن الكاتب أفسح مجالا لسرد (الآخر)، و(القطة)، وهذا تجريب متميز.
غير أني أحببت التوقف عند شخصية (الآخر) و الذي قد يصنف كـ صوت مريض لمصاب بالفصام الذهاني.
ففي الرواية العربية يندر أن تقدم مثل هذه الشخصية، نعم شخصية (عليان) في رواية (الثوب) للأستاذ طالب الرفاعي قُدمت بفنية واحترافية، هنا في «أفعى تأكل ذيلها» أُعطيت (شخصية الآخر) مساحة أكبر وبمنظورين، منظور (هو) الشخص المصاب بالذهان، ومنظور (الآخر) بذاته ووعيه الخاص.
وما أحب طرحه هو:
هل يكون (الآخر) بصوته المتغرغر بالماء هو الثمرة الناجحة لتجربة (الانتحار الكموني)، التي سعى إليها (هو)؟
ألم يكن يبحث (هو) عن الخلود عبر الفناء؟
وألم يقل (الآخر): «ولكني للأسف فكرة، والأفكار مضادة للموت» ؟صفحة 98
فهل نجحت التجربة واستحال (هو) لفكرة ثابتة؟
أشياء البيئة والنقد الذاتي:
رغم أن الرواية قدمت أشياء البيئة، من خلال إزار الأب وطبيعة الزراعة، لكنها بدت لي متحررة من قيد
المكان بحيث تتمدد قوالبها لتصلح للتجربة الإنسانية الممتدة.
لكن من الملفت أن «الناص» قدم نقداً ذاتياً للبيئة وطبيعة الأفكار وإن كنت أجد أن كل الشخوص الساردة على نسق تفكيري واحد متمرد ضد قوانين ومواريث المكان، الأمر الذي لم أفضله وتمنيت أن تكون هنالك سعة لأفكار متوائمة للمُتداول، بحيث يكون صوت إحدى الشخصيات - مثلاً - مختلفاً.
نجد أيضاً أن «الناص» ضمن نقداً حول طبيعة الأنشطة الثقافية وهشاشة ما يقدم، وبعض الظواهر السلبية الأخرى مما يبسط تلك الصور على طاولة التشريح.
هذه الرواية رحلة عميقة على قصرها، تحفز الأسئلة بمتانة وابتكار.

* كاتبة كويتية

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا