فوبيا... الحرية!

نفسياسي

في عالم الطب النفسي هنالك مجموعة من الاضطرابات التي تندرج تحت مسمى اضطرابات القلق، كالـ«فوبيا» مثلاً، والتي تعني الخوف الشديد من شيء معين وبشكل غير مبرر أو مبالغ فيه، كفوبيا الطيران أو المرتفعات أو الخوف من حيوانات معينة كالحشرات وغيرها، أو حتى الفوبيا الاجتماعية، والتي يخشى من يصاب بها من الالتقاء بأناس جدد أو إلقاء كلمة أمام الجمهور وخلافه، وقد تتسبب هذه الاضطرابات بالكثير من المعاناة للأفراد الذين يعايشونها، مما يستدعي تدخلاً طبياً دوائياً، أو باستخدام نوع محدد من العلاج النفسي السلوكي والمسمى بالـ «systematic desensitization»، أو التعرض التدريجي لما يخيفنا وبشكل متدرج، كأن نبدأ بتعريض من يخشى من حيوان معين لصورة الحيوان، وبعد تقبله لها، نأخذه لمكان تواجد هذا الحيوان ليراه من بعيد، فإذا تجاوزنا بعض مخاوفه، اقتربنا من الحيوان أكثر، حتى نصل له لأن يتحمل ملامسة هذا الحيوان مباشرة، بحيث تختفي الـ«فوبيا» ويصبح التعامل مع ما «كان» يخيفنا... أمرا طبيعياً.
قصة «الفوبيا» هذه وعلاجاتها تذكرتها، وأنا أتعامل مع قضية الحرية في عالمنا العربي والاسلامي، بل وفي الداخل المحلي، فعند الحديث عن الحرية كمفردة تجد بعضنا وقد انتفض كمن يعاني من «الفوبيا»، وبدأ في سلوك أي تصرف يدفعنا للحديث بعيداً عنها، وقد تختلف ردود الأفعال من شخص إلى آخر، بحسب درجة «إصابته» بفوبيا الحرية، فهنالك من يرعد ويزبد منهمراً عليك باتهامات مستهلكة كـ«التغريب» والـ«الخروج عن العادات والتقاليد»، بل وحتى الـ«خروج من الملة والدين»، وهنالك من «يريد السلامة» فيكتفي بتجنب الخوض في هذا الحوار من الأساس، خوفاً من عواقب الحوار في هذا الموضوع، وما قد تثيره فكرة الحرية في نفسه من قلق قد لا يعلم هو نفسه أسباب نشأته!
مشكلتنا مع الحرية هي ذاتها مشكلتنا مع تخلفنا في هذا الزمن الرديء، حيث تتطور المجتمعات من حولنا بينما ما زلنا لا نملك أدوات التفاعل مع كل هذا التطور الهائل، فننكفئ على ذواتنا مكتفين بالتأكيد على أننا نتميز عن غيرنا بديننا وأخلاقنا ووو... إلخ، في محاولة لطرد أو إخماد ذلك القلق الذي يعتمل في صدورنا من واقعنا ومستقبلنا في عالم ما عدنا نساهم في تكوينه، بل اكتفينا بالتأثر بما يحصل فيه واتباعه شئنا أم أبينا، رضينا... أم «انرضّينا»...!
ولعلاج هذه الفوبيا المدمرة يبدو أن علينا سلوك المسلك المتبع نفسه في الطب النفسي، ولعدم وجود عقار ناجع يعالج فوبيا الحرية خصوصاً مع شيوعها بين ملايين البشر، فعلينا اتباع منهج التعرض التدريجي المشار إليه أعلاه، فنبدأ بالحوار الصريح عبر صالونات ثقافية ومنتديات اجتماعية، نتناول فيها كل ما تم إقناعنا بحرمة الاقتراب منه من أفكار وأيديولوجيات وثقافات وغيرها، ونتبع نفساً طويلاً في علاج أنفسنا حتى يصبح النقاش في كل شيء أمراً عادياً وطبيعياً، ولا يثير فينا ما كان يثير بالسابق من فزع!
أخيرا، وللتنويه، فقد تكون أول ملامح «فوبيا» الحرية هو ما نشاهده في المجتمعات التي لا تمتلك من الحرية شيئاً، أو تمتلك منها النزر اليسير، من نقاش حول «حدود» تلك الحرية، وهو نقاش يثير في نفسي سخرية مريرة، فمن يتحدث عما لا يمتلكه ويريد أن يبدأ بحدود ذلك الشيء لا ما هيته لا أجد في نفسي ما أقول له غير: «أنت بالأول خل يكون عندك حرية... ثم فصلها على مقاسك»!

alkhadhari@gmail.com
Twitter: @dralkhadhari

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا