يوسف الحميدي... يروي

خواطر صعلوك

كأي طالبٍ مبتعث تبدأ رحلته عند صعود الطائرة وربط أحزمة الأمان، 6 ساعات ونصل إلى مطار هيثرو، يشغلني التفكير عن الحياة الجامعية، والغربة والدراسة، لم أكن قلقاً كثيراً من الغربة فالتطور والتكنولوجيا في زمننا هذا قربا كل شيء إلى بعضه، أتحزم بصبري وبدعوات أمي وجدتي وأتوكل على الله سبحانه جلّ شأنه في بدء حياة مليئة بالتجارب المختلفة.
هبطت الطائرة هبوطاً سلساً في مطار هيثرو، أثناء عبوري في ممر الطائرة، خارجاً منها أتصور بريطانيا العظمى، العاصمة لندن، الحرية، الاتزان، والانضباط الصارم، وكل ما سمعناه دون أن نراه عن بريطانيا.
أبدأ الفصل الدراسي الأول بكل أمل ورغبة في النجاح، آمل بأن أكون طالباً متميزاً لأرفع اسم بلدي الكويت، الجميع هناك يرحب ويستقبلك بود، وأيضاً كوّنت معارف وصداقات من دول مختلفة فالأغلب هنا مغترب، نعم! الحياة في الخارج ليست صعبة جداً كما تصورت، ولكنك لا بد أن تكون تمرّنت أكثر لتخطي أي عقبة تواجهك، كان همي كله النجاح والتفوق وقليلا من الاستمتاع في الحياة الجديدة.
وفي يوم من الأيام وعلى شاشة التلفاز في شقتي الصغيرة في وسط المدينة خبر عاجل: فيروس جديد أصاب مدينة ووهان في الصين وهو بانتشار مستمر وسريع ومن الممكن أن يكون خطيراً، أغلقت التلفاز كعادتي لأني لا أحب نشرات الأخبار وتناسيت موضوع الفيروس، وفي اليوم التالي لم يتحدث أحد بشأن هذا الخبر وكانت الأمور على ما يرام كعادتها؛ أسابيع قليلة تفصلنا عن حدوث انفجار عظيم لانتشار هذا الفيروس في أغلب دول العالم، بدأ الناس يقلقون، والأخبار لا تبشر بخير أبداً، فرنسا، الولايات المتحدة، الصين، و في إيطاليا يموت ما يقارب الألف إنسان كل يوم، الدول بدأت تنهار وتصاريح الحكومات تحذر من الاختلاط وأغلب مطارات العالم أغلقت، وبعد قليل يخرج رئيس الوزراء البريطاني ويقول إن هذا الفيروس خطير جداً وهناك عائلات ستفقد أحبابها، فاحترسوا لأننا سنطبق خطة «مناعة القطيع»، الجامعات لم تغلق والمدارس لم تغلق، والحياة ستسير على طبيعتها.
بعد هذا التصريح الذي أقلق البعض والبعض راضٍ به، شعرت بالخوف على نفسي وأصدقائي ولازمنا منازلنا خوفاً على صحتنا وحياتنا، ازدادت أعداد الإصابات والوفيات في بريطانيا والحكومة تطبق العزل والتباعد الاجتماعي.
كان الشعور هنا متخبط بعض الشيء، فنحن نواجه عدواً لا يرى، وأكثر ما يخيف البشر العدو المجهول، الموارد الغذائية ستنفد إذا استمر هذا الحال والاقتصاد العالمي سيسقط والملايين من البشر سيموتون والخ.
أنا وأصدقائي نهرب بعيداً عن نشرات الأخبار فالجو متوتر جداً، نهرب من العالم الخارجي نعزل أنفسنا، ونتجاهل الموضوع وبعض الأحيان نناقشه، نشعر بالمسؤولية تجاه بعضنا، وأصبحنا نستمع أكثر مما نتكلم، وأهلنا في الكويت يواصلون الاتصال يومياً للاطمئنان ونجيبهم بأجوبة ديبلوماسية وأننا بخير.
ذكرت سابقاً أنني لم أكن قلقاً أو خائفاً من الغربة، ولكن هذه الأزمة أشعرتنا جميعاً بأهمية الوطن ونعمته، فرغم أننا كنا مع بعضنا أصدقاء كالأخوة لكننا اشتقنا إلى الكويت، الكويت الأم، وبعد أيام قليلة ستبدأ رحلات إجلاء المواطنين في الخارج، ونحن ننتظر على أحر من الجمر اتصال من السفارة في لندن ليخبرونا بموعد رحلة عودتنا.
اتصلت السفارة على عجل وأخبرتنا أن رحلتنا غداً استعدوا واحزموا أمتعتكم، في اليوم التالي ونحن في طريقنا إلى المطار، أشاهد المدينة التي أدرس فيها وأقضي فيها أيامي أصبحت مظلمة موحشة قاسية، وأريد أن أعود إلى الوطن، ونحن نأخذ الحيطة والحذر من أن يصيبنا مكروه في المطار أو الطائرة، الطائرة التي استغرقت 6 ساعات للوصول إلى مطار الكويت الدولي، 6 ساعات شعرنا بأنها 6 أيام، هبطت الطائرة وأشاهد الطاقم الطبي يبذل قصارى جهده للحفاظ على سلامة المواطنين، وبكل شجاعة وبسالة يتحدون هذا المرض الخطير من أجل الكويت ومن أجل الأرواح، أشاهد هذه التضحيات من الجميع وأغبطهم على روحهم الوطنية.
تستقبلني أمي في المطار، لا أستطيع أن أعانقها ولا أستطيع أن أقبّل رأسها ويدها، وفي القلب شوق كبير إلى أمي وإلى الكويت، ولكن بيننا حاجز مخفي، حاجز الخوف من فيروس صغير دمر العالم، وأنا الآن في الكويت أحمد الله كثيراً على نعمة الأمان والصحة، الكويت التي احتوتنا بحضن كبير من دون خوف وقلق لأننا بكل بساطة أبناؤها.
أهلي وأحبابي وأصدقائي، ونحن الآن نتواصل عبر شاشة الهاتف، سنلتقي يوماً ما بعد انتهاء هذه الأزمة وسنجتمع قريباً، واسأل الله أن يرفع هذا البلاء والوباء ونحن جميعاً بخير وصحة وعافية.
المبتعث: يوسف الحميدي. 19 عاماً.
عزيزي القارئ.... كان لا بد أن أشاركك هذا الإحساس والشعور وجمال اللغة الذي نطق به صديقي وأخي الصغير يوسف الحميدي... حفظك الله... وكل ما لم يذكر فيه اسم الله... أبتر.

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا