كوني إنسانة عادية!

خواطر صعلوك

يفصل بيني وبينها 6 أمتار وليلة صيفية وثلاث طاولات فارغة في مقهى مبعثر الأمكنة.
أعرفها جيداً... وأعرف طباعها، فهي كعادتها تغرق في القادم من سماعات الأذن من دون أن تغرق في العابرين أمامها.
تعاني من ضعف في النضج العاطفي ومن ترنح في الكلام، ما لم يكن معد مسبقاً في الصباح لكي يخدم أجندة أهدافها.
تهتم بالأشياء أكثر من البشر، وعلاقاتها قليلة الدسم وقدرتها على الأخذ طويلة الأمد.
لقد كانت امرأة ذكية، بسبب ما راكمته من خبرات نتيجة التعامل مع رجال طيبين، كانت تتعمد أن تضعهم في مواقف اجتماعية سيئة.
وحسب ما ذكرته الصحف الأجنبية عنها، فقد كانت لا تفهم معنى المشاركة أو التعاون، ويمكن أن تأخذ كل ما يعجبها من دون أن يرف لها جفن من تصرف غير لائق تجاه من ينتظر العطاء.
أما علماء المخ والأعصاب فقد وجدوا أن هناك مناطق في الفص الأمامي للمخ لدى هذه السيدة، لم تنم بالقدر الكافي لكي تعبر عن معنى الإنسانية.
علماء النفس أخذوا بعداً آخر عندما قدموا تحليلاً لها، حيث أشاروا إلى أنها شخصية «بروكروستية» وبروكروست هو شخصية من الأساطير اليونانية، كان حداداً وقاطع طريق، وفي المساء يسند ظهره إلى شجرة جوز ويرسم العالم في ورقة نقدية من فئة العشرة دنانير، فإذا نام بدى وكأنه أعزب رأسمالي كئيب!
كان بروكروست يهاجم الناس ثم يطرحهم أرضاً ويضعهم على سرير أعده مسبقاً ليقوم فيه بمط أجسادهم أو قطع أرجلهم لتناسب طول السرير الذي صنعه، يطلق لفظ «البروكروستية» على الذين تستحوذ عليهم نزعة فرض القوالب على الأشياء والأشخاص أو الأفكار حولهم، ويميلون إلى قطع أو تمديد الحقائق أو تشويه المعطيات لكي تناسب طول مخططهم الذهني أو وعيهم الذي بحجم ورقة نقدية من فئة العشرة دنانير.
لا أدري عزيزي القارئ عمّن أتحدث بالتحديد، هل اتحدث عن سوزان أو «جيني وإيلي» كما سمتها وسائل الإعلام، وهي الفتاة التي حبسها والدها المختل والقاسي في غرفة منذ ولادتها وحتى أصبح عمرها 14 عاما، ولذلك فقد أصابها ضعف في القدرات والمهارات الاجتماعية والنفسية والعقلية والنمو الجسدي، والتي علق الدكتور شريف عرفة على حالتها قائلاً:
- إن الإنسان العادي لا يولد إنساناً عادياً.. بل يتعلم ويكتسب الكثير من الخبرات كي يستطيع أن يصبح إنساناً عادياً.
أم أني أتحدث عن تلك الفتاة التي أعرفها جيداً وتجلس أمامي على بعد 6 أمتار في مقهى مبعثر الأمكنة.
هل هي فتاة أم شاب... لا يهم، فهم كثيرون حولنا في المقاهي والمجالس والبيوت والمساجد والشوارع وأماكن العمل، وأكثر ما يميزهم أنهم يظهرون قدرة عالية من العقلانية المنزوعة من الإنسانية حتى يتحول الأمر برمته إلى لا عقلانية خرقاء.
في مقدمة دراسته الممتعة التي بعنوان «تطور الأفكار اللا عقلانية في مرحلتي المراهقة المبكرة والمتوسطة لدى المراهقين الكويتيين»، يوضح لنا الاستاذ حسن عبدالله الحميدي أنه إذا كان بعض أفراد الأسرة لا عقلانيين يعتقدون بالخرافات ويميلون للتعصب، ويطالبون أطفالهم بتحقيق أهداف وطموحات لا تصل إليها إمكاناتهم، فإن الطفل نفسه يصبح لا عقلانيا... ثم يسرد لنا مجموعة أفكار لا عقلانية استمدها من نظرية ألبرت أليس المعرفية وتقول:
فكرة أنه من الضروري أن يكون الشخص محبوباً ومقبولاً اجتماعياً من المحيطين به بشتى الطرق والوسائل، هي فكرة لا عقلانية قد تؤدي إلى ردود أفعال مبالغ فيها.
وفكرة أن التعاسة عند الفرد سببها عوامل خارجية لا نستطيع السيطرة عليها، هي فكرة لا عقلانية تؤدي إلى السلبية.
وفكرة أنه من الأسهل أن نتجنب بعض الصعوبات والمسؤوليات بدلاً من أن نواجهها، هي فكرة لا عقلانية.
وفكرة أن هناك حلا كاملا وصحيحا دائماً يجب التوصل إليه لكل مشكلة، وإلا ستكون النتائج خطيرة... هي أيضا فكرة غير عقلانية.
أيها الأباء والأمهات... ربوا أبناءكم على معايير نجاح تجعل منهم... أناساً عاديين!!
@moh1alatwan.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا