رأي «الراي» / الداء... واللعنة

أما وقد دخل «القاتل» إلى بيوتنا، فالدعوات ترتفع إلى أعالي السماء بالشفاء وحصر الإصابات، ومثلها ترتفع التمنيّات بأن نرتقي، ككويتيّين، إلى مستوى الحدث الذي يعتبر تهديداً مباشراً لسلامة الناس وللأمن القومي والاجتماعي والاقتصادي.
باختصار شديد، الكورونا المستجد مرضٌ قاتل. فيروس خبيث يتسلّل إلى الأجسام بطريقة أسهل من ذي قبل يرفع الحرارة ويخنق الرئتين ويؤدّي إلى وفاة من يشكون من قلّة المناعة، والمناعة السياسية – الاجتماعية مطلوبة عند جميع المسؤولين الكويتيّين قبل غيرهم، لأن ردود الفعل الأولى التي لمسناها منهم لا تشجّع على الإطلاق وتشعرنا بأننا لسنا أمام «رجال مصلحة الدولة» بل أمام «رجال دولة المصالح»، سواء كانت انتخابية أو طائفية أو سياسيّة بشكل عام.
مثلما أن الكورونا مرضٌ قاتل فالطائفية أيضاً مرضٌ قاتل، والمتاجرة بأمراض الناس لغايات وأهداف انتخابية أيضاً مرضٌ قاتل، وتعميم الجهل والعصبيات وإطلاق الغرائز أيضاً مرضٌ قاتل، وتصيّد هذا المسؤول أو ذاك في ذروة الاستنفار وحالات الطوارئ أيضاً مرضٌ قاتل، والمساهمة في الهلع وتعميم الفوضى بينما البلاد على شفا كارثة أيضاً مرضٌ قاتل.
ليس دفاعاً عن أحد، ولا تبريراً لأحد. وليحاسب كل مسؤول عما وصلنا إليه، إنما الكثير من الوعي مطلوب لمواجهة الكثير من الخطر، والظّرف الاستثنائي يحتاج إلى قامات سياسيّة استثنائيّة، وفيروسات الكارثة القادمة التي قد تتحوّل إلى وباء لا يمكن مواجهتها بنقص مناعة المسؤوليّة ولا بنقص المناعة الوطنية ولا بالوباء الطائفي الذي بدأنا نلمس للأسف الشديد أنه رفيق درب الكورونا وغيرها من المخاطر والتحدّيات.
عيب ثم عيب ثم عيب أن نسمع ما سمعناه من البعض من نغمات طائفية أو من استدراج لها أو من كمية التعليقات القميئة السوداء في وسائل الهدم (كما أسماها صاحب السمو الأمير) لا التواصل. نعم هناك عيب في التقصير، وعيب في ردود الفعل، وعيب في تجاوز المعايير الدولية المطلوبة لمواجهة هذا المرض، وعيب في تسييس المواضيع وكأن التدابير الاحترازية صارت ورقة «لا مانع» تخدم في جلب عشرة أصوات إضافية في الانتخابات، وعيب في غياب التوجيه الإعلامي الراقي الاستثنائي المطلوب في مثل هذه الظروف لوقف حالات الهلع التي قد تتحول إلى فوضى.
لسنا في وارد الحديث عن الشأن الطبي لمواجهة كورونا، فتجارب الآخرين، موجودة وتوجيهات وإرشادات منظّمة الصحة العالمية خريطة طريق، وعلينا أن نتعامل مع الحالات المكتشفة كما تعاملت الدول المتقدمة التي شهدت إصابات. لكننا نرى من مؤشرات «الفحص الأولي» لمواقف من يفترض أنهم ساسة وقادة رأي أن مساهمتهم في إضعاف المناعة الوطنيّة تسجّل مؤشرات عالية، ولذلك نتمنّى صحوة ضمير فوريّة بل أكثر من ذلك نطالب بتفعيل فوري وحازم لقوانين حماية الوحدة الوطنية وسلامة المجتمع.
الأمر الثاني، الذي سنتحدّث عنه بكل وضوح ومباشرة، هو حالة الطمع والجشع لدى بعض أصحاب الصيدليّات والمتاجر الذين استغلّوا بدايات ظهور المرض ورفعوا أسعار البضائع من كمامات ومواد طبية وغذائيّة، بل عمد بعضهم إلى إخفائها في المخازن تمهيداً لرفع أسعارها أكثر لاحقاً. ولهؤلاء نقول: إن لم تتّقوا الله في ضمائركم، فالهيئات المختصة في إدارات الدولة يجب أن تضع سيف القانون على رؤوسكم وأياديكم. وأي وزير يتهاون في موضوع ملاحقة من يستغلّ حالات كورونا لرفع الأسعار أو إخفائها لا يجب أن يستجوب فحسب بل أن يعاقب قضائيّاً أيضاً.
اليوم، الظروف استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى، وما لمسناه من ردود فعل بعد دقائق من إعلان وجود 3 حالات كورونا في الكويت لا يبشّر بخير على الإطلاق. الجميع مطالبون بالتكاتف لا بالتناكف، والاستنفار لمواجهة هذا المرض لا الاستنفار لمواجهة بعضنا البعض. وإذا استمر هذا النهج في الأيام المقبلة، فهذا يعني أن هناك من يريد لمواقفه وأساليبه أن تشبه فيروس الكورونا بحيث ترتفع حرارة الغرائز وتختنق رئة الوطن الوطنيّة والاجتماعيّة.
اتّقوا الله... اتّقوا الله... اتّقوا الله.

«الراي»

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا