ثقافة الالتزام

أصبوحة

كان قراراً تاريخياً ترقية 8 وكيلات نيابة إلى قاضيات للمرة الأولى في الكويت، وهو يعد انتصاراً ليس للمرأة وتتويجاً لنضالاتها فقط، بل أيضاً لمدنية الدولة وتحضرها وعصريتها، بعد معارضة وعرقلة طويلة من قبل التيار الديني المتشدد.
هذا القرار الذي فرض رغم المعارضة المحافظة، دليل على ضرورة تدخل الدولة للمساعدة وتسريع تغير وتطور الثقافة في البلد، فالثقافة تحتاج إلى عقود طويلة كي تتغير بشكل شبه تلقائي، لكن تدخل الدولة وفرض إرادتها، يسهم ويسهل في ارتقاء ثقافة المجتمع، والتي عادة هي عصية على التغير في المجتمعات.
وكان المثقفون والمستنيرون الذين يطالبون بالتطور والاهتمام بالثقافة وتنميتها، يواجهون بفهم قاصر من الأجهزة الرسمية لمفهوم الثقافة الشاملة، ويظنون أن الأمر يتعلق بالآداب والفنون، التي تعتبر مظاهر وتجليات إبداعية في الثقافة، بينما الثقافة الشاملة تعني أيضاً تغيير السوك والأعراف السلبية السائدة، وترقية القيم والأخلاق الإنسانية المتحضرة.
فالثقافة هي ليست كثرة النتاج المادي والمعنوي، بل هي بنوعية هذا النتاج، كما أنها ليست بوجود قيم وعادات وسلوك، بل هي معنية برقي هذه القيم والأعراف والسلوك، إذ لا يوجد مجتمع يخلو من ثقافة معينة أو قيم محددة، بل حتى في المجتمع الواحد تتعدد الثقافات، والمطلوب نقلها أو تطويرها من حالة التخلف المجتمعي والسلوكي، إلى التقدم والتحضر والرقي.
وكل ذلك لا يأتي بالتطور التلقائي، كما لا يمكن التعويل على الزمن لكي نصل إلى التقدم، بل نحتاج إلى صراع بين دعاة التقدم والمحافظة، وتدخل الدولة والأجهزة الرسمية للانحياز للتقدم، من أجل تحقيق التطور في جميع المجالات بما فيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وها نحن قد بدأنا المرحلة الثانية من الانفتاح بعد الحظر الكلي، ولنلاحظ حجم ثقافة الالتزام، فبقدر التزام الجمهور نقيس ثقافة المجتمع أو جزءاً منه، ومن دون تدخل الدولة وفرض القانون، سنجد أن الالتزام بالاحترازات الصحية ضعيف، رغم وجود وعي ذاتي عند مجموعات في المجتمع، من دون ضغط أو فرض قانوني.
وعندما نتحدث عن ثقافة شاملة، نحن نعني ثقافة سائدة في المجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى تشمل كل جوانب الحياة، إذ يعتبر تناقضاً تعيين امرأة قاضية، مع وجود نظرة دونية لها من قبل الرجل.
ومشكلة الثقافة في الكويت الآن للأسف، هي عدم فهم واحترام الثقافة ليس من قبل الإنسان العادي فقط، بل من قبل الحكومة والمؤسسات الرسمية والمسؤولين أيضاً، وهذا يجعل من شعار كويت جديدة عام 2035 غير متسق، من دون التوقف عند مفهوم التنمية الشاملة، واستيعاب مكانة الثقافة فيها بالاعتماد على المهتمين والمشتغلين بالثقافة.

osbohatw@gmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا