الجزائر ونهاية المرحلة الانتقالية

قبل ستة اشهر، بدأ الحراك الشعبي في الجزائر. اثبت الجزائريون، مع استمرار هذا الحراك للأسبوع السادس والعشرين، انّهم تعلّموا شيئا من تجربة ما عرف بـ«سنوات الجمر» التي امتدت بين 1988 و1998 والتي اسفرت عن سقوط آلاف الضحايا.

سقطت الضحايا في ظلّ إصرار المتطرفين الإسلاميين، الذين تربوا في عهد هواري بومدين، على الاستيلاء على السلطة من جهة وفي ظلّ إصرار المؤسسة العسكرية باجهزتها على اجتثاث الإرهاب واستئصاله بحجة مكافحة الإرهاب، من جهة أخرى.

ما يحمل على التفاؤل محافظة الجزائريين على هدوئهم وانضباطهم على الرغم من غياب خريطة طريق تؤدي في نهاية المطاف الى تغيير طبيعة النظام القائم على تحكّم المؤسسة العسكرية بمفاصل السلطة. ما يمكن ان يثير بعض التفاؤل أيضا هو ظهور ضباط جدد وضعوا نفسهم خلف الستار.

هؤلاء ضبّاط اقلّ جشعا الى السلطة والثروة من معظم الضباط السابقين الذين كانوا يشكلون امتدادا لعهد هواري بومدين الذي بدأ في العام 1965. هذا العهد، الذي لم ينته بعد والذي حاول عبد العزيز بوتفليقة استنساخه عبر ارتداء عباءة من كان يشرف على رعايته مذ كان وزيرا شابا للخارجية. في النهاية، ان الانتهاء من عهد بومدين ونظامه القمعي هو هدف الذين ينزلون الى الشارع كلّ يوم جمعة منذ ستة وعشرين أسبوعا.

حققت الحراك الشعبي في الجزائر الكثير حتّى الآن. كان الحراك، بدعم خفي من الجيش طبعا، وراء افشال محاولة إعادة انتخاب المقعد عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة وذلك كي يبقى افراد الحلقة الضيّقة المحيطة به في السلطة، يمارسون ما بين ما يمارسونه صلاحيات رئيس الجمهورية.

لم تعد لبوتفليقة بعد صيف العام 2013 أي علاقة بما يدور فعلا في البلد. بدأ يفقد قدراته العقلية منذ تعرضه لجلطة في الدماغ صيف ذلك العام. على الرغم من ذلك كلّه، أي على الرغم من انّه كان مجرد رئيس صوري، اتجه افراد الحلقة الضيقة الى تمكينه من الحصول على ولاية خامسة في 2019، علما انّه لو خضع لفحص طبي في 2014، لما كان سمح له وقتذاك بولاية رابعة.

بفضل الحراك الشعبي، تحرّكت المؤسسة العسكرية ممثلة برئيس الأركان احمد قايد صالح، الذي تجاوز الثمانين من العمر، من اجل وضع نهاية لمهزلة عانت منها الجزائر طويلا.

منذ اجبار بوتفليقة على الاستقالة، تعاني الجزائر من مأزق سياسي واجتماعي واقتصادي، هو في الواقع مأزق نظام لا يستطيع تجديد نفسه. مأزق الجزائر هو مأزق الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية في آن. من إيجابيات المرحلة انّ الشارع لم يفلت من السيطرة بعد وذلك على الرغم من ان الشعارات التي بدأ يطلقها الحراك تبدّلت وصارت اكثر جذرية، فيما يحلم عدد لا بأس به من الضباط بانتخاب رئيس جديد يؤمن استمرار النظام القديم مع بعض التغييرات الشكلية.

تمرّ الجزائر حاليا بمرحلة انتقالية تتميّز بغياب القواسم المشتركة بين الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية. لكنّه لا يزال هناك امل بالخروج من المأزق الذي يعبّر عنه بقاء الرئيس الموقت عبدالقادر بن صالح في موقع الرئاسة في غياب القدرة على انتخاب رئيس جديد.

من يخرج الجزائر من المرحلة الانتقالية؟ لا يوجد الى الآن ما يشير الى اختراق ذي طابع دراماتيكي في المستقبل القريب. مثل هذا الجمود يؤثر في المدى الطويل على استقرار الوضع الداخلي، خصوصا ان ليس ما يشير الى ان الحكومة الجزائرية قادرة على التعاطي مع المشاكل القائمة، وهي مشاكل قابلة للتفاقم على كل صعيد بدءا بمشكلة الامازيغ الذين يعانون من تمييز عنصري حقيقي وانتهاء بقدرة الجزائر على الاعتراف بانّها طرف مباشر في قضية الصحراء المغربية، على سبيل المثال وليس الحصر.

هذا يعني انّ ما يسمّى «بوليساريو» ليس سوى أداة تستخدم من المؤسسة العسكرية لابتزاز المغرب ولا شيء آخر غير ذلك.

فوق ذلك كلّه، ان الجزائر تعاني من ازمة اقتصادية عميقة تهدد بثورة شعبية في ايّ لحظة. هناك شبه كبير بين الوضع القائم حاليا والوضع الذي ساد في خريف العام 1988 عندما حصلت انتفاضة شعبية على النظام الذي كان على رأسه وقتذاك الشاذلي بن جديد، ممثل المؤسسة العسكرية لا اكثر ولا اقلّ، بصفة كونه اكبر كبار الضباط سنّا في المؤسسة.

لا يقتصر فشل النظام في الجزائر على العجز عن تجديد نفسه في أي مجال كان فحسب، بل ان الفشل الأكبر هو فشل اقتصادي. ما تسبب بثورة 1988 كان هبوط أسعار النفط في تلك المرحلة التي توقفت فيها الحرب العراقية – الايرانية التي استمرّت ثماني سنوات بسبب العناد الايراني.

اكتشفت الجزائر فجأة انّها أسيرة سعر النفط والغاز. لم يسمح النظام للبلد باستغلال ثروات البلد، علما انّها كثيرة، خصوصا ان في استطاعة الجزائر جذب ملايين السيّاح في السنة نظرا الى انّها احد اجمل البلدان المطلة على المتوسط، إضافة الى امتلاك جبال ومناطق صحراوية ذات جمال اخّاذ. هذا بعض مما تمتلك الجزائر من ثروات رفضت تطويرها في وقت يتدهور النظام التعليمي فيها بشكل ملموس ولا يوجد من يريد معالجة هذه الآفة الخطيرة.

من المفترض ان تنتهي المرحلة الانتقالية في اقرب وقت بعد إقرار دستور جديد وعصري ينهي العقد التي عانى منها البلد طويلا، أي منذ الاستقلال. في مقدّم هذه العقد الدور الجزائري على الصعيدين الإقليمي والعربي. المؤسف انّ ليس لدى الجزائر من نموذج تقدّمه لا في شمال افريقيا ولا في افريقيا نفسها ولا على الصعيد العربي. هناك فشل جزائري علي كلّ صعيد يعبّر عنه مثلان حيّان.

الاوّل ان بوتفليقة حكم البلد بين 2013 و 2019 وهو لا يستطيع توجيه كلمة الى شعبه يطمئنه فيها الى انّه لا يزال قادرا على استخدام قدراته العقلية. امّا المثل الآخر، فهو استمرار اغلاق الحدود بين المغرب والجزائر منذ ربع قرن، أي منذ العام 1994 تحديدا. ما هذا العجز عن اتخاذ أي قرار في شأن الحدود على الرغم من كلّ المبادرات المغربية من اجل حصول تقارب بين البلدين اللذين تجمع بينهما مصالح كثيرة فضلا عن العلاقات بين شعبين يمتلكان تاريخا مشتركا في النضال من اجل الاستقلال.

متى تنتهي المرحلة الانتقالية في الجزائر؟ هل تنتهي قبل هبوب عواصف داخلية على بلد يعاني من عقد عدّة وقنابل موقوتة كثيرة؟ من سيجمع بين مطالب الحراك الشعبي مع المحافظة على دور ما للمؤسسة العسكرية الجزائرية التي تبقى ضمانة للاستقرار... ولكن ضمن حدود معيّنة يحددها الدستور؟.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا