كلنا «جوكر»

بوح صريح

قال سقراط: «اعرف نفسك»، لذا لا تسألني من أنا حتى تسأل نفسك، من أنت!
كلما زادت الفوضى والجنون والتناقض والنفاق والكذب والخيانة والفساد والغباء في العالم حولنا اقتنعنا أن الجوكر أو المهرج - في الإعلام والسينما - هو الصح وكل هؤلاء من حوله هم الأشرار.
تابعت كغيري عشرات الأفلام عن الجوكر. منذ بداية ظهور فكرة المهرج الذي يسخر منه الناس. بينما يحاول هو أن يكتم حزنه وقهره ليضحكهم. رغم قرفه منهم لكنه يؤدي عمله ويكسب رزقه. ثم يذهب بيته فيمسح عنه ملامحه الضاحكة ويغسل عنه رداء الفرح الزائف. ويعود إلى حزنه وحرمانه.
أما ملامح الجوكر، فيقال إنها منسوخة من شخص قبيح كان يسكن الغابة بعيداً عن ظلم الناس. ولشدة البرد، كان أنفه أحمر وشعره منكوشا. وكان يلوّن وجهه حتى يخفي بعض قبحه. وهكذا اقتبس وتقمص القصاصون ملامح المهرج أو الجوكر.
لكن ما الذي دعا لظهور شخصية الجوكر في القصص ثم الفن والسينما. وجعله رمزاً فنياً مثيراً ولافتاً؟
1 - سخرية الناس من كل شكل مختلف وغريب عما ألفوه. يلقننا الإعلام الموجه، أشكالاً محددة «لما هو جميل». بينما يخبرنا أن كل مخالف له هو قبيح وغريب، وبذلك يستدعي السخرية والاستهزاء.
2 - حاجة الجمهور للكوميديا. ولشخصية تكون محط سخرية وموضوع إهانات. يفرغون فيه كل خيبتهم وإحباطهم في الحياة. ومن هنا جاءت فكرة الجوكر.
لكن الجوكر يحتاج لقناع التجمل الكاذب حتى يواري قبحه وحزنه. بينما يقدم الفرح الرخيص المجاني لجمهور مكبوت وهو المقهوت، ألا يستحق التنفيس عن كل هذا الغضب والحزن. ألا يستحق أن يثور!
اما فيلم the joker الأخير من بطولة جوكن فينكس وروبرت دي نيرو. فيعد في رأيي من أقوى أفلام السنة وأتوقع أن يفوز بأكثر من أوسكار. تدور قصته حول جدلية الصواب والخطأ، وتبعات التنمر الصامتة التي ستؤدي بالضرورة لانفجار. يحكي الفيلم قصة الطيب البريء الذي عمل خيراً كل حياته. فلم يقدره أو يحترمه أحد. ثم حين كسر القاعدة وعمل شراً، حقق العدالة وأصبح نجماً، قاد ثورة وأصبح مرئياً من الجميع.
‏إن الخطأ الذي يلي الصواب ليس جديداً أو غريباً. بل هو خطأ متضمن في الصواب. ينتظر الفرصة ليظهر. وبعده لا عودة للصواب إذ يولد عنه خطأ آخر وآخر، فللخطأ لذة مغرية للإمعان والتكرار. كمن تحمل القسوة وبقي مهذباً حتى وصل لآخر رمق في الصبر. وإذ ينفجر لن يعود مهذباً من جديد.
كما ‎‏أن قصور مناهج التربية وعدم تضمنها لمنهج أخلاقي محكم وعلمي، يجعلنا غير مؤهلين لفهم جدلية الصواب والخطأ وأنهما غير منفصلين تماماً. بل كل منهما متضمن للآخر. ففي الصواب بعض خطأ كقول حق يتضمن خطورة. أو المخاطرة بإنقاذ غريق مما قد يتسبب بغرقك وبعض الخطأ يتضمن صواباً، كالكذب لإنقاذ حياة فرد لن يحتمل الحقيقة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا