تجونا لو نجيكم؟

رواق

في ماض سحيق يتنبأ بما صار عليه المستقبل، حصل أن ذهبت إلى حفل أقيم بمناسبة ترقية زميلة، حضوري كان في حد ذاته مباركة، أو هكذا اعتقدت عندما غادرت من دون أن ألاحظ أني لم أقل كلمة مبروك، ربما بسبب الازدحام، وربما لاعتقادي أنني قلتها، لكن النية وحدها تشفع لصاحبها في الآخرة لا في الدنيا، التي انقلبت رأساً على عقب وتدخلت الادارة العليا، لاستدعائي ومواجهتي، بزميلتي التي جاءت قالت انني حضرت - تلك المأدبة التي أقيمت والعامرة بما لذ وطاب وربما انشغلت بالأكل عن التهنئة فهل ألام؟ - وغادرت ولم أقل لها مبروك، نظرت في عينيها، واضح أنها لم تنم ليلتها، بسبب التفكير في السبب، ثم أطرقت متأملة المسؤولين الذين تركوا مسؤولياتهم لتولي مسؤولية أكبر: مواجهة زميلتين كي تقول أحدهما للأخرى مبروك ثم ترد الثانية الله يبارك فيك فإن امتنع أحد الطرفين لا جريمة ولا عقوبة في ذلك فلا قانون للتبريكات والحمد لله أن البركة من عند الله، هل كان مطلوباً مني أن أدفع فاتورة الأكل الذي تناولته لأنني لا أتذكر أن قلت مبروكاً أم لم أقل، وهل وصلت إلى هذه الدرجة من «الشفاحة» للذهاب بغرض الأكل لا التهنئة، ثم انتبهت أنني لا أذكر إن كنت نسيت البسملة قبل الأكل مثل المباركة بعد الأكل، تعوذت من الشيطان وقلت بسم الله أوله وآخره ومبروك من قبل ومن بعد وكفانا الله كموظفين شر القتال!
طبعاً لست بحاجة إلى شرح كيف سارت العلاقة مع هذه الزميلة، أو كيف سار العمل في هذه الإدارة، فليس هذا المهم، الأهم أن ندرك: كم شخص حولنا ينحصر تفكيره فيمن بارك له ليرد المباركة ومن عزاه ليرد العزاء والبعض يحتفظ بدفاتر يدون فيها كل شيء، لرده في وقته فرحاً أم ترحاً، فميزان أعمال المتوفى قد يختل بسبب تعزية أو معدلات الإنجاب ستتأثر بتهنئة زواج أو مستوى الطفل التعليمي مرتبط بمباركة ولادته!
إن المجتمع الذي يقيم الناس بنسب حضورهم وانصرافهم في المناسبات العامة، لا يختلف عن الإدارة التي تقيّم موظفيها من خلال الالتزام بساعات العمل الرسمية، الاثنان غير منتجين.
حضور الأفراح لا يعني شيئاً، إن لم تفرح لمن فرح، وحضور المآتم لا يعني شيئاً من دون أن تحزن على الفقيد، والحزن والفرح لا يقاسان بالحضور ولا بالكلام غير المقرون بالأفعال، وتحول التلاحم إلى مواجيب على طريقة «رد الزيارة»، والغياب عقاب لمن غاب من دون معرفة الأسباب.
مناسبات المجتمع الاجتماعية مؤشر لا على درجة الوعي وحسب، ولكن على درجة طماشته أو استعراضه: وإلا لم أقمنا الولائم وأنفقنا الأموال مقابل سماع كلمة مبروك؟ فهي مباركة بالإكراه أو مباركة مدفوعة الثمن قابلة للمساومة، والقلب يعرف ما يحمله القلب!

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا