جريدة الراي الكويتية - الصفحة الرئيسية رئيس التحرير ماجد يوسف العلي|الإثنين 24 يوليه 2017 - العدد 13902

اجتماع جنيف يُطوَّق بنار الحرب في سورية

«القاعدة» لن يرحل من بلاد الشام... ولا خيار لروسيا إلا التصعيد العسكري

تقارير خاصة -   /  1,794 مشاهدة   /   14
شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس
+ تكبير الخط - تصغير الخط ▱ طباعة
هجوم المجموعات المسلّحة وعلى رأسها تنظيم «القاعدة» على دمشق ومحيط حمص ودرعا وجّه رسالة واضحة للأمم المتحدة بأن أيّ اجتماعٍ في أستانة (كازاخستان) أو جنيف مصيره الفشل، لأن الحل السياسي لم ينضج لأسباب عدة أهمّها الموقف التركي والخطوات الأميركية واستراتجية تنظيم «القاعدة» ورؤيتها لبلاد الشام.

اشتعلت جبهات عدة في الساحة السورية حيث هاجم الآلاف من المجموعات المنتمية الى تنظيم «القاعدة» (تحت مسمى هيئة تحرير الشام) وأخرى تنتمي الى «فيلق الرحمن» و«جيش النصر» و«أجناد الشام» و«جيش ادلب الحر»، و«أحرار الشام» و«الحزب الاسلامي التركستاني» و«أجناد القوقاز» مناطق متفرقة في شمال وجنوب وحول العاصمة السورية في عملياتٍ عسكرية تكتيكية ولكن منظَّمة، توحي ليس فقط أن الدول الداعمة قد عاودت محاولة خلط الأوراق - بل ان التحالفات الدولية (تركيا - روسيا وروسيا - اميركا) تسير نحو أهداف جديدة رسمتْها للضغط على أي عملية سياسية. أما تنظيم «القاعدة» فهو مستعدّ للسير بأي سياسة وعملية عسكرية ما دامت تُبقي على الحرب في سورية مستمرة وما دامت تصبّ في مصلحة أهدافه الاستراتيجية التي تهدف الى البقاء والانتشار والتمدُّد في سورية والعراق.

وبعد فشل «أستانة 3» (أرسلت تركيا وفداً منخفض المستوى ولم تحضر الجماعات المسلحة التي تملك جزءاً من الارض)، وبعد اشتعال المعارك في سورية، وبعد تصريح تركيا ان روسيا تحتلّ جزيرة القرم، وبعد منْع روسيا تركيا وحلفائها السوريين من التقدُّم أبعد من مدينة الباب السورية الشمالية وإقصائها من الدخول الى المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية، وبعد إغلاق الطريق أمام مشاركة تركيا وقواتها الرديفة في معركة «تحرير الرقة»، أصبح من الواضح أن الأمور لا تسير كما تشتهي روسيا التي تسعى الى وقف الحرب وفرض حلول سلمية وإحضار أكثر المتحاربين الى طاولة المفاوضات. الا ان موسكو لن تقف مكتوفة وتتفرّج على تَقدُّم «القاعدة» ومعها قوات «جهادية» وأخرى معارِضة الى مناطق اعتبرتْها آمنة. كما لن تسمح موسكو برؤية أهدافها في سورية تفشل وهي - أي روسيا - لا تستطيع الفشل في سورية ولا الانغماس في الوحول السورية كي لا تفقد هيبتها ومكانتها. وهذا ما سيدفعها لتكون أشرس في ردّة فعلها، لاسيما ضد «القاعدة»، ما ينذر بمعركة تسعى إليها التنظيمات «الجهادية» التي تستفيد من استمرار المعارك أو تسعى إليها لأنها وقود استمراريتها.

ودخلتْ أميركا ايضاً على خط «تغذية» استمرارية «الجهاد» المسلّح وتنظيم «القاعدة» بعد تصريح وزير الدفاع الاميركي ان قوات واشنطن لن تخرج من العراق بل ستبقى فيه. وهذا التصريح - مدعوماً بتلاقي أهداف بعض الدول الشرق أوسطية الرافضة «للانتصار» الروسي - الايراني في سورية - يصبّ كلّه في مصلحة وأهداف «القاعدة» التي تركب موجة الرغبات والمصالح للدول المختلفة وتستفيد منها وتسخّرها لمصلحتها بما يَخدم استمراريتها لأنها في بلاد الشام لتبقى فيها وليس لتغادرها.

وتسعى «القاعدة» في سورية لإشعال الجبهات كافة لأنها: غير معنية بأي اتفاق وقف إطلاق نار، وهي على لائحة الارهاب الاميركية - الروسية - الاممية، وتسعى لاندماج كل الفصائل تحت تسميةٍ وقيادة موحدة لضمان استمراريتها، وهي مستعدة لتُظهِر ان هدفها «إسقاط الرئيس السوري بشار الاسد»، خصوصاً ان هذا الهدف أصبح بعيداً عن التناول السياسي - الاعلامي، الأمر الذي يساعد «القاعدة» في رفْع شعارٍ «سوري» تستطيع التخفي وراءه.

وها هي «القاعدة» تُصدِر بيانات باللغة الانكليزية وتخاطب العالم بوجه الحَمَل، ولكنها تعادي وتعزل «أحرار الشام» لتُظهِر أكبر تنظيم سوري بوجه المُذْنِب الذي يتردّد في تحقيق أهمّ هدف معلَن لـ «الثورة السورية».

وها هي «القاعدة» تتصدّر المعارك وجبهات القتال وتقدّم الانتحاريين والدبابات والخبرات العسكرية والمال والرجال للتصعيد ضد روسيا وضد دمشق وحلفائها، وهي تلعب على الوتر الاسلامي والوتر الطائفي اللذيْن طغيا على خط «الثورة» منذ انطلاقتها قبل ستة أعوام، إلا أن أهدافها أبعد من ذلك بكثير وأعمق من ان تكون ضمن حدود «الثورة السورية» كما تدّعي.

فسورية هي العمق الاستراتيجي لأنها بلاد الشام التاريخية ولأن فيها تتحدث الروايات عن ظهور «الإمام المهدي» وحامل الرايات لمقاتلة «الكفر»، الذي يتجسّد بأميركا وروسيا مجتمعتيْن في بلاد الشام، وفي بلدٍ واحد «ستسيل فيه الدماء كالأنهار» حسب الرواية.

وها هي أميركا تبني لنفسها قواعد في شمال سورية لتبقى، وها هي روسيا قد بنت قواعد لها على الشاطئ السوري وهي منتشرة في بلاد الشام، ما يقدّم أفضل مسوغ «للقاعدة» للترويج لفكرة الاستعداد لقتالٍ طويل. ففي بلاد الشام «سترفع الرايات الاسلامية» وستكون «مقبرة للغزاة الصليبيين» وفيها ستكون «الحرب الأخيرة ضد الكفار» لينتصر «العدل».

وأزالتْ «الدولة الاسلامية» (داعش) الحدود بين العراق وسورية لتعطي دفعاً لـ«الجهاديين» للقدوم الى بلاد الشام. وساعد ذلك أيضاً النداء الذي وجّهه زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري «الى كل المجاهدين للتوجه الى سورية»، ليس لإسقاط النظام والمغادرة بعدها إذا تحقق الهدف المنشود، بل لتأسيس قاعدة شعبوية صلبة تؤمن الاستمرار الطويل الأمد الذي يخفي الأهداف الاستراتيجية لـ«القاعدة» ألا وهي إنشاء إمارة اسلامية وضرْب المصالح الدولية.

وقد نجحتْ «القاعدة» في إيجاد بيئة حاضنة في ظل الحرب المستعرة، مستفيدةً من ضعف النظام والفقر ونتائج الحرب المدمّرة على المجتمع السوري لتستغلّ حالة «التوحش» الموجودة أصلاً منذ 6 أعوام.

إن سورية تقع ضمن استراتيجية «القاعدة» منذ قيام التنظيم، حيث تتواجد القبائل والطبيعة الجغرافية اللتان تساعدان في تطوّر التنظيم. وعلى الرغم من استهداف الإدارة الأميركة مسؤولي «القاعدة» بضراوة، الا ان الدول الداعمة للمسلّحين (تركيا وبعض دول الشرق الأوسط المعنية وكذلك «الموك» في الأردن) لن تستطيع دعْم المسلحين من دون موافقة الولايات المتحدة التي أَظهرتْ ان هدفها تحقيق نصرٍ سريع ضدّ «داعش» في الرقة وايجاد «منطقة آمنة» تتجسّد بالأحرى في تقسيم شمال سورية، وعدم التناغم مع أهداف روسيا في سورية من خلال عدم ضرب أهداف «القاعدة» بل قيادات أساسية فيها فقط.

وقد قتلتْ أميركا قيادات مثل «أبو الخير المصري» (الرجل الثاني في القاعدة الذي قتل في ادلب وصهر اسامة بن لادن) ورفاعي طه و«أبو همام الشامي» (في ادلب) والسعودي عبد المحسن عبدالله ابراهيم الشارخ (سنافي النصر قتل في حلب) و«أبو فراس السوري» (قتل في ادلب) وخطاب القحطاني و«أبو عمر التركستاني» وعبد الجليل المسلمي ومحمد حبيب بن سعدون التونسي و«أبو هاني المصري» و«أبو العباس الضرير»، وكلهم قيادات من جنسيات مختلفة تواجدوا على أرض الشام وعملوا في تنظيم «القاعدة» الذي يدّعي ان لا علاقة له بأي تنظيم خارجي، ليُطرح سؤال: ماذا كان يفعل كل هؤلاء في بلاد الشام إذا كانت «هيئة تحرير الشام» خارج اطار تنظيم «القاعدة»؟

لا شك في ان هناك خرقاً أمنياً والكترونياً داخل هذا التنظيم في سورية بما مكّن أميركا من قتل هؤلاء القادة الذين يعرفهم عدد قليل من السوريين، إلا ان «القاعدة» لا تعمل بشكل هرمي وقتل قادتها لا يغيّر شيئاً في مسيرتها.

ومن الواضح أيضاً أن «القاعدة» في سورية وضعت جانباً أمر الهجوم على أهداف أميركية في الولايات المتحدة في الوقت الراهن لأنها دخلت في الحرب السورية بهدف التمكين، وهي كانت قاب قوسين او ادنى من تحقيق أهدافها قبل التدخل الروسي وحلفاء دمشق.

وعلى الرغم من أن أسامة بن لادن كان يدعو كل أطراف «القاعدة» الى أولوية التخطيط لضرْب أميركا والتخلي عن «عدو الداخل»، إلا أن ظروف سورية غيّرت الأهداف لأهمية بلاد الشام والعراق الذي طلب ايمن الظواهري من قياداته التحضير لبناء قاعدة في بلاد ما بين النهرين، خصوصاً ان اميركا تنوي الإقامة بها في ظل إدارة دونالد ترامب.

ويُلاحظ ايضاً تغيير في أدبيات «القاعدة» التي دعا لها «أبو بكر ناجي» في كتابه الشهير «ادارة التوحش» الذي طالب بالتغلغل في المجتمعات وإيجاد حال فوضى لتجييش المجتمع والناس والتغلغل بينهم عن طريق الدعوة الاسلامية. الا ان وثائق صادرتها الولايات المتحدة بعد هجومها على منزل بن لادن في أبوت أباد - باكستان أظهرتْ ان زعيم «القاعدة» لم يكن يحبّذ الفوضى في اليمن ويحضّ أنصاره على العمل على استقرار البلاد التي يتواجد فيها «المجاهدون» كي لا ينشغل الناس والمجتمع بالبحث عن لقمة العيش.

كما طلب بن لادن من جميع مناصريه في البلاد المختلفة الامتناع عن الجهر بالانتماء لتنظيم «القاعدة» كي لا يدفع هؤلاء فاتورة هجوم 9/11 على البرجين في اميركا.

وقد عملت «قاعدة سورية» أي «هيئة تحرير الشام» بهذه النصيحة وأعلنتْ عدم انتمائها لـ «القاعدة» لتحاول الانصهار في التنظيمات والأحزاب السورية وتتبنى مشروع سورية، إلا ان هدفها أبعد من ذلك بكثير. وان تضارُب المصالح في سورية بين روسيا والولايات المتحدة وبين روسيا وبلاد المنطقة ستستفيد منه «القاعدة» لدعم أهدافها ولتقوى أو على الأقل لتبقى.

شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس



إقرأ أيضاً