جريدة الراي الكويتية - الصفحة الرئيسية رئيس التحرير ماجد يوسف العلي|الأحد 22 أكتوبر 2017 - العدد 13992

هل تغير المناخ مؤامرة؟

رؤية ورأي

مقالات -   /  753 مشاهدة   /   19
شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس
+ تكبير الخط - تصغير الخط ▱ طباعة

منذ انضمامي إلى اللجنة الوطنية لتغير المناخ في العام 2009 وأنا أصادف بين الحين والآخر بعض العرب والمسلمين المعارضين للاتفاقية الإطارية لتغير المناخ وللأنشطة والمؤسسات الدولية المرتبطة بها. الخطورة تكمن في أن عدداً من هؤلاء أعضاء في وفود بلادهم التفاوضية إلى اجتماعات تغير المناخ، وكان آخرهم مفاوضاً مخضرماً شارك في جميع اجتماعات المناخ في السنوات العشر الأخيرة.

ينقسم هؤلاء الرافضون لاتفاقيات تغير المناخ إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى تهون الآثار السلبية المنظورة لظاهرة الاحترار العالمي أو تنكر ارتباط الظاهرة بارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون وما في حكمه من غازات مراقبة وفق اتفاقيات تغير المناخ. وأما الفئة الثانية من الممانعين للاتفاقية، فترى أن الموضوع في واقعه ليس إلا مؤامرة تستهدف ثروات العرب والمسلمين.

في معرض ردي على المجموعة الأولى، كنت أشير إلى أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) - المكلفة منذ إنشائها في العام 1988 باستخلاص الرأي العلمي حول ظاهرة تغير المناخ وآثارها البيئية والاجتماعية والاقتصادية المحتملة - قد أصدرت خمسة تقارير تفصيلية خاصة بتقييم الظاهرة، وخلصت إلى وجود علاقة مباشرة ومؤكدة بين تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي وبين الظاهرة. كما كنت ألفت انتباههم إلى أن جميع تلك التقارير أعدت من قبل باحثين تم اختيارهم من أنحاء العالم وفق آلية واضحة وشفافة، وجميع التقارير أقرت - قبل إصدارها - من قبل مجلس الهيئة الذي يضم في عضويته الدول العربية والإسلامية إلى جانب بقية الدول الأعضاء في الاتفاقية الإطارية. معظمهم كان يرد علي بأن الحضور العربي والإسلامي في الهيئة وأنشطتها ضعيف جداً.

وأما المجموعة الثانية، فكنت أذكرهم بأن الدول الصناعية هي المُلزمة بتمويل صناديق الاتفاقية المخصصة لتنفيذ المشاريع التي تقر للتنفيذ في الدول النامية ومن بينها دولنا العربية والإسلامية، سواء كانت هذه المشاريع تستهدف تخفيف انبعاث غازات الاحتباس الحراري أو تعزيز التكيف مع الآثار السلبية لتغير المناخ أو غيرهما من الغايات المنصوص عليها في الاتفاقيات. كما أن اتفاقية باريس تنص على وجوب توفير 100 مليار دولار سنوياً في صندوق المناخ الأخضر (GCF) ابتداءً من عام 2020 لتمويل تنفيذ المشاريع. إجاباتهم كانت غالبا تتمحور حول كون الدول المتقدمة ستجني أضعاف ما تدفع. وبالرغم من اتفاقي معهم في هذه الجزئية، إلا أنني لا أراها دليلاً على أن اتفاقية المناخ مؤامرة ضدنا، بل أجدها شاهداً آخر على تفوقهم واحترافهم في تحويل التهديدات إلى مكاسب.

العديد من التحولات العالمية تؤكد على أن مصادر الطاقة تعد من أهم أبعاد مفاوضات المناخ. فتجد دولاً نامية - وفق قوائم التصنيف المعتمدة في الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ - تحول موقفها من المفاوضات، لأنها وجدت لنفسها موضع قدم في مصادر الطاقة المتجددة الواعدة. فعلى سبيل المثال، نجد أن جمهورية الصين الشعبية لعبت وما زالت تلعب دوراً مهماً - جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة - في إقرار اتفاقية باريس وفي دخولها حيز التنفيذ، على الرغم من أن الاتفاقية تقلل الفوارق في الالتزامات - المنصوص عليها في الاتفاقية الإطارية - بين الدول النامية وبين الدول المتقدمة.

هذا التحول في موقف الصين تزامن مع طفرة في استثماراتها في الطاقة المتجددة. فقد ارتفعت استثمارات الصين في مشاريع الطاقة المتجددة العام الماضي بمعدل 60 في المئة إلى 32 مليار دولار، كما أعلنت الصين في الاسبوع الماضي أنها ستستثمر 361 مليار دولار في مشاريع الطاقة المتجددة بحلول 2020 بهدف الحد من استهلاكها للوقود الإحفوري. أي أن الصين بعد أن كانت تتوجس من أن اتفاقيات المناخ ستحد من معدلات نموها الاقتصادي، تسعى اليوم لتتحول من مستورد للطاقات التقليدية إلى مصدر لتكنولوجيات الطاقات المستقبلية، وستوظف هذا التحول الاستراتيجي في تعزيز تنميتها الاقتصادية. فهل تحولت الصين من ضحية لمؤامرة دولية إلى شريكة فيها، أم أنها نجحت في تحويل التحديات إلى فرص؟

وكذلك الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، موقفه المعادي لاتفاقيات المناخ ليس بسبب موقفه - سلباً أو إيجاباً - من التآمر ضد الدول العربية والإسلامية، بل هو موقف مبني كلياً على رؤيته الاستراتيجية للاقتصاد الأميركي. وأتوقع بأن موقفه سيتغير تدريجياً خلال السنوات الأربع المقبلة - وهي الفترة الملزمة قبل الانسحاب من اتفاقية باريس - بعد تصاعد لوبي الشركات الأميركية التي تبنت الاقتصاد الأخضر.

الفهم الصحيح لطبيعة مواقف الدول الأطراف في اتفاقية باريس مطلب أساسي لتكوين موقف تفاوضي سليم وقوي. وإسراع الدول العربية والإسلامية في التكيّف الاقتصادي مع التحولات العالمية الماثلة شرط رئيس لتحقيق التوافق في الاجتماعات المقررة خلال السنتين المقبلتين. فالعالم قرر - بصوت خافت ولكن بخطوات واسعة وسريعة - تغيير مصادر الطاقة، وأسعار النفط قبل سنوات لا يتوقع أن تتكرر بنفس قيمتها الشرائية. لذلك فإن تنويع مصادر الدخل الوطني خيار مستعجل طال انتظاره. فهل ستتعاون الحكومة مع المجلس لتحقيق هذا الخيار الاستراتيجي قبل أن تستنزف الصناديق السيادية واحتياطي الأجيال القادمة؟ أم أن تعاون المجلسين سيقتصر على تشكيل لجنة الظواهر السلبية؟... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com


شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس



إقرأ أيضاً