جريدة الراي الكويتية - الصفحة الرئيسية رئيس التحرير ماجد يوسف العلي|الإثنين 20 نوفمبر 2017 - العدد 14021

ماذا لو؟ / تجارب حياتية

ثقافة -   /  500 مشاهدة   /   13
شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس
+ تكبير الخط - تصغير الخط ▱ طباعة

لا يستطيع الإنسان منا أن يحرز تقدما في حياته إلا بخوضه التجارب، فمنها الناجح ومنها غير ذلك، لكنه على أي حال سيستفيد منها، ويخرج بمنظومة مبادئ وقناعات مبنية على التجربة والخطأ، ولا أعظم من تلك التي قد خاضها بنفسه فتعلم منها ما يترك بصمة باقية في حياته، والأجمل من ذلك أن يعرض ثمرتها لغيره بشكل عملي ليستفيدوا منها، والعاقل من يعي.

ويحضرني في هذا المقام قصة يطيب لي أن أقصها عليكم:

كان هناك في إحدى البلاد يعيش رجل أعمال عصامي، استطاع أن يؤسس شركة من أرقى وأعظم الشركات في بلاده، وكان يصل الليل بالنهار، ويبذل قصارى جهده في العمل حتى يحافظ على ما توصل له من نجاح، ولما وصل إلى مرحلة الشيخوخة، وأحس بالتعب من إدارة الشركة، فكر أن يضيف اليها روح الشباب، ويترك مهامه الى احدهم، فعقد اجتماعا طارئا، وفي هذا الاجتماع أخبر كل العاملين بالشركة بقراره، فتعجب كل الحاضرين من هذا القرار الغريب، وتساءلوا في ما بينهم: لماذا لم يولّ ابنه الذي يعمل معه في الشركة منذ تخرجه في الجامعة تلك المهمة؟

ولكنه لم يمهلهم في عجبهم كثيرا، فقال لهم: إني أترك بين أيديكم فرصا متساوية، حتي يرأس هذا المكان الشخص المناسب الذي يستطيع إدارته بأمانة وحكمة، الشخص الذي يستطيع أن يضيف إلي هذه الشركة عوامل نجاح جديدة ترقى بها، لذا، سأضعكم باختبار بسيط، من ينجح فيه هو المختار، فسأعطي كل واحد منكم بذرة لإحدى الأزهار التي تنمو في حديقتي، وبعد ستة أشهر من الآن، سنرى من الذي اعتني بهذه البذرة، وأخرج أحسن مافيها.

أخذ كل واحد من الموظفين بذرته، وذهب لكي يعتني بها باذلا قصارى جهده.

وكان من هؤلاء الموظفين رجل بسيط يعمل في قسم الملفات بالشركة، يقوم بترتيبها وتنظيمها والاطلاع على ما فيها لإدراج كل ورقة في مكانها المناسب.

أخذ هذا الموظف بدوره بذرته، وذهب الى زوجته وقصّ عليها ما حدث في الشركة، فتعجبت جدا، ولكنها أصبح يحذوها الأمل في أن تصبح زوجة المدير الجديد لتلك الشركة العملاقة، فآثرت أن تنفق كل وقتها لمساعدة زوجها في الاعتناء بتلك البذرة حتى لو أنفقت عليها كل ما تدخر، فأخذتها ووضعتها في آنية كبيرة أنيقة، وأحضرت لها التربة والسماد المناسبين وجلست تنتظر إنباتها يوما بعد يوم،لكن الأيام بدأت تمر والنبتة لم تنم، وقلبها يتحسر هي وزوجها كل لحظة، وهما لا يدريان ماذا ألمَّ بها.

كان صاحب الشركة يذهب كل يوم إلى شركته، فيرى الجميع يفتخرون بنمو أزهارهم، وجمال مظهرها، ونضارتها، ويتحدثون عن أصنافها التي تتطابق مع الزهور الموجودة بالفعل في حديقته، ويظهرون انبهارهم من ألوانها الزاهية الجميلة.

أما موظف الملفات المسكين، فقد كان الحزن يعتصر فؤاده كل يوم، والحرج يمنعه أن يقول لأحد على ما يحدث مع بذرته، حتى لا يوصم بالإهمال.

وقبل انتهاء المهلة بأيام دفعته الحسرة إلى أن يعرض على زوجته أن يشتري نباتا آخر ويقدمه لمديره في الاجتماع الأخير، فقالت له زوجته: يا زوجي الحبيب، لقد عشنا بأمانة طوال حياتنا، وربينا عليها صغارنا، وراتبك المتواضع الذي يأتيك من هذه الشركة يكفينا ويبارك الله لنا فيه، فلن نفرط في هذه الأمانة الآن من أجل منصب لم يقسمه الله لنا، ولو سعينا للحصول عليه بتفريطنا فيما نؤمن به لانقلب علينا وبالا وشرا، فدعنا نتمسك بما قسم لنا من الله ونرضى به، خصوصا ونحن لم نقصر في واجبنا، ولم نهمل ما كلفنا به، فقد بذلنا قصارى جهدنا للاعتناء بتلك البذرة، لكن إثمارها لم يكن من نصيبنا، فدع عنك الهموم، وارض بما قسم الله لك يغنك من فضله، وبالتأكيد سيذهب هذا المنصب لمن يستحقه، فلا تبتئس لذلك.

ارتاح الزوج لحديث زوجه وأنس له، وبعد انتهاء المدة المتفق عليها دعاهم صاحب الشركة للاجتماع الأخير بالنسبة له، فأخذ الرجل آنيته الفارغة وذهب الى الاجتماع، ودخل متضائلا وهو يرى كل الأزهار في أواني الموظفين أجمل من بعضها، وكلهم يفتخرون بما صنعوا، وما بذلوا من مجهود في الرعاية والعناية بنباتاتهم، ولم ينتبهوا للموظف الذي كان محرجا من نفسه جدا؛ لأنه الوحيد الذي جاء بآنية فارغة إلا من تربتها.

بدأ صاحب الشركة ينظر إلي الأزهار الجميلة، وهو يبتسم مثنيا على جمالها ونضارتها، حتى وصل إلى ذلك الموظف الذي وقف في آخر القاعة متواريا عن الأنظار من شدة الحرج، فسأله بعجب: لماذا أتيت بآنيتك تخلو من زهرتي؟

رد الرجل في حرج بالغ: سيدي، لقد بذلت قصارى جهدي لإنباتها، لكن الله لم يقسم لها ذلك، فأتيتك بها على أي حال.

لوى صاحب الشركة عنقه متحسرا وقال للرجل: للأسف، أنت الوحيد الذي لم تزهر آنيتك، ولا أدري ماذا أقول لك لأعزيك به على تضييع أفضل فرصة سنحت لك في هذه الشركة، على أي حال لا بأس، عليك انتظار النتيجة؛ لتعلم من يكون مديرك القادم.

تقدم صاحب الشركة صفوف المتباهين المنتظرين لكي يعلن عمن سيتولى المنصب، وكل منهم يمني نفسه بالفوز، وتوجه لهم قائلا: بالفعل كل أزهاركم جميلة، بل رائعة الجمال، ويبدو من نضارتها مدى اهتمامكم البالغ بها، وبعد تفقدي لها جميعا، يسعدني أن أعلن لكم الفائز، وأشار إلى آخر القاعة مكملا قراره: إن الموظف صاحب الآنية الفارغة هو المستحق لهذا المنصب. لم يتمالك الرجل نفسه من الذهول فتهاوى على الكرسي المجاور له محتضنا آنيته، بينما تضج القاعة بأصوات المعترضين على هذا القرار، لقد جاءت المفاجأة التي أطاحت بتباهيهم وعجبهم بأنفسهم وكلهم غير مصدق لما يحدث، وقد اتهم البعض القرار وصاحبه بالعته وقلة الحكمة، لكن صاحب الشركة قاطع همهماتهم قائلا: كل أوانيكم مزهرة حقا، لكنها ليست زهورا للبذرة التي اعطيتكم إياها، لقد أعطيتكم بذورا فاسدة لا تصلح للزراعة لكنكم خنتم الأمانة، وفكر كل منكم في الوصول إلى المنصب ولم يهتم بالوسيلة الناجحة التي يصل بها، لقد خنتم الأمانة في بذرة صغيرة، فما الذي ستفعلونه بهذه الشركة؟

ازرعوا الأمانة تحصدوا الثقة والنجاح في الحياة.

hanaank64@yahoo.com


شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس



إقرأ أيضاً