من أعمال الفنان عبدالرضا باقر


إشكالية المواطنة

المواطنة صفة تتحدد بموجبها الحقوق والواجبات ولها خصوصية منها الانتماء والتعايش

هناك شواهد كثيرة لسلبيات المواطن الذي لا يلتزم بمفهوم المواطنة كالتعدي على الحقوق والتفرقة بين الناس

العناية بمفهوم المواطنة في مناهج التعليم لها أهمية بالغة في ترسيخها لدى النشء منذ نعومة أظافرهم

مؤسسة التعليم بالذات تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة تجاه اكساب التلاميذ مفاهيم وقيم المواطنة
نتحدث كثيراً عن «المواطنة» من دون إدراك لواجبات وحقوق المواطن. الكثيرون يخطئون في تعريف المواطنة بأنها الوطنية في حين ان المواطنة صفة تتحدد بموجبها الحقوق والواجبات، ولها خصوصية منها الانتماء، والتعايش، والتسامح، ونبذ التفرقة والكراهية، والدفاع عن الوطن. لهذا فلن يكون بمقدور أي حكومة على وجه الأرض أن تحقق الإنجازات، وأن تسيّر عملها وتنفذ برامجها بشكل طبيعي دون التعاون والتفاني والمساهمة الحقيقية من المواطنين في خدمة الدولة، ونبذ كل ما يحقق الظواهر السلبية التي يعاني منها الجميع.

إن المواطنة تعني الحفاظ على الوطن، وحماية ممتلكاته ومكتسباته، والعمل بالقانون والعدالة الاجتماعية، فالذي يخالف ذلك إنما لا يعير أهمية للمواطنة رغم ادعائه بذلك. هناك شواهد كثيرة لسلبيات المواطن الذي لا يلتزم بمفهوم المواطنة كالتعدي على الحقوق، والتفرقة بين الناس، والإساءة للوطن وغيرها والتي لا توحي بفكرة أن المواطن خفير حريص على وطنه. الكثير من السلوكيات غير المرغوب فيها، للأسف، تعكس اختراق حق الدولة على الناس، والاعتقاد بأن الدولة هي الوحيدة المسؤولة عن حماية الناس ورفاهيتهم بينما تتسع المسؤولية في الدول المتحضرة فتجعل المواطن ركيزة الأمن والرفاهية، وأن الناس اعتادت على السلوك المنضبط، والتعاون، والحفاظ على بلدهم انطلاقاً من شعورهم بالمواطنة.

فإذا كان المواطن خفيراً في المجتمعات الراقية لأنه حريص على أمنه ورفاهيته، فهو في ذلك أداة فاعلة للتضامن الاجتماعي، ومكافح لصيانة المجتمع، فلا غرابة من معاقبة من يقطف زهرة في حديقة عامة أو تصدي مواطن لآخر يرى في سلوك هذا الآخر خللا ضارا بالناس كالتدخين في الأماكن الممنوعة، أو إلقاء المخلفات أو التعدي على الممتلكات العامة.

وعندما ننظر في ميدان تعاون الفرد مع الدولة فإننا نجد أنفسنا بعيدين كل البعد عن أي وجه للمقارنة مع الدول المتحضرة الأخرى. فالفرد لدينا ليس فقط سلبياً في التعاون، وإنما مخرب للبيئة ومعتد ومنتهك لنظافتها واتزانها، وللاستدلال على ما نقول كل ما علينا هو أن نتجول في الشوارع فنشاهد الكم الهائل من التعديات المختلفة على أملاك الدولة. والسؤال لماذا لا يمتنع المواطن عن فعل ما يمنعه القانون وهو يدرك أن ذلك ليس من حقه وفيه أذى للآخرين والدولة؟ فهل العلة في التسيب وعدم المعاقبة، أم ان المشكلة في ضعف الوعي والإحساس بالمواطنة؟

لا شك أن العناية بمفهوم المواطنة في مناهج التعليم لها أهمية بالغة في ترسيخها لدى النشء منذ نعومة أظافرهم، خصوصاً التعلم في المراحل الأولى من التعليم العام، مع توافر معلمين يمتلكون المهارة والفهم في ميادين التربية والعلوم النفسية والاجتماعية. إن توصيل مفهوم المواطنة لأذهان الأطفال في المدارس لا يكون بالتلقين، وإنما بمشاركة الأطفال في نشاطات عملية تعكس القصد من مفهوم المواطنة، وماذا تعني؟ وكيف يكتسب القيم والاتجاهات الإيجابية نحو التعامل الأمثل مع الأشياء التي تحيط به؟

إن مؤسسة التعليم بالذات تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة تجاه اكساب التلاميذ مفاهيم وقيم المواطنة، وهذا لن يتحقق بالأماني والشعارات من دون التخطيط لها ومتابعتها في المناهج والبرامج الموجهة لمختلف المستويات العقلية والعمرية للتلاميذ. فمن المهم تحديد مناهج التعليم لدلالة ومضامين المواطنة، واستجلاء قيمه وثقافته وأهميته للوطن، خصوصاً أن سياقات المواطنة أصبحت أكثر شمولية في عالم اليوم حيث التعددية الثقافية، والمساواة، والحرية، والقانون والبعد الاثني والطائفي وغيرها من مكونات أساسية لمفهوم المواطنة.

yaqub44@hotmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا