كتابة عن كتابة!

رواق

مرهقة هي الكتابة، تجبرك أن تقتطع جزءاً من وقتك، وجزءاً من عقلك، لتشاركه مع ناس لا تعرفهم، ولم يطلبوا منك أن تشاركهم!
وأحيانا يطلبون، أكثر مما تستطيع أن تقدم لهم، يتسلّلون من الأبواب المواربة، ولأنك لم تحسن غلقها، تدفع ثمن ذلك حينما تفتحها على مصراعيها، يختلط الخاص بالعام، ما يخصهم وما يخصك وما لا يخص أحداً، فتبدأ متاهة الكتابة!
والكتابة توثيق، فالمرء مخبوء بما كتب لا بما قال، حيث لا نفي ولا إنكار هنا، والتوضيح تصريح صريح وإقرار، لا مناورة في الحقيقة، فالكاتب مفضوح أمام قارئه، ولو كذب السبت سيشي بنفسه الأحد والثلاثاء، لو قال الصدق لن يصدقه أحد!
الصدق منجاة الكاتب، أن يكون كل ما يقوله حقيقة حتى لو لم يقل كل الحقيقة، فبعض الإخفاء إغراء وتشويق وإثارة، فالبوح في غير وقته ينتقل من الفضفضة إلى الفضيحة... و«فضيحة الكاتب بعشر».
مرهقة هي الكتابة، البحث عن فكرة، أصعب من البحث عن كنز، لأنك على ثقة أن الجميع سيحب الكنز، أما فكرتك فتصارع حبين، حب الجميع لها، أو حبك لها، ونادراً ما يجتمع الحبان!
تحاول الحياد فلا تستطيع أن تقف في المنتصف... بين رغباتك أن تكتب ما تريد، فيعرض عنها القراء، لتفضل أن تكتبها لتحتفظ بها لنفسك، وبين رغبة القراء أن تكتب له ما يطلبه المشاهدون ليشاهدوا ما كتبته ويتداولوه ولو لم يقرؤونه!
وبين البينين... خط تحاول أن تخطه لنفسك، أن تكتب وأن يقرأ لك قارئ، لا يعرفك فلا يكرهك إن اختلفت معه، بل ربما يتفق معك أو يراك تعبّر عن شيء يختلج في خاطره، شيء لا يعرفه، أو نسيه لكنك ذكرته به أو أثرت فيه أو قلت ما كان ينوي قوله.
لكنك قلته بالنيابة عنه، رغم أنك لا تعرفه ولا يعرفك!
والكتابة وسيلة تعارف، كثيرون اعتقدنا معرفتهم جيداً، وحين كتبوا اكتشفنا أننا لم نعرفهم قط، وكثيرون نعرفهم حق المعرفة، ربما أكثر من أنفسنا لارتباطنا بما كتبوه، من دون أن تربطنا بهم سابق معرفة.
مرهقة هي الكتابة لكنها تستحق هذا الإرهاق.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا