ضحكة واحدة تكفي... والباقي بكاء!

خواطر صعلوك

يقول لي الرجل -النصف يقظ- الذي بجانبي الآن ولا يفصل بيننا سوى مسند كرسي الطائرة:
- السعادة هي أن نحصل على ما نريد...عرفت أشلون!
ثم بدا أنه سيغط في نوم عميق.
قلت له محاولاً اللحاق بما تبقى من يقظته:
- البعض يرى السعادة في السلطة، وهناك من يشير إلى أنها في قرب الحبيب، وهناك من يعتقد أنها في الشهرة أو الثروة، وأشار بعضهم إلى أنها في بر الوالدين وطاعة الله، وآخرون يرونها في الصحبة، وكثير من التغريدات في تويتر تقول إنها في العطاء والإحسان وإرسال البطاطين للفقراء، ويعتقد ابني الصغير أنها في قطعة حلوى!
ولا شك أن كل هذه الإجابات صحيحة بالنسبة لوعي الشخص ذاته بالسعادة. فالسعادة في بدايتها ونهايتها هي وعيك بها وليست بمعزل عنا كالنجوم والأشجار بحيث يمكنك أن تشير لها بيد واحدة، بينما يدك الأخرى تهرش بها أسفل ظهرك سائلا نفسك مبهورا ومندهشا قائلا:
- هل هذه هي السعادة التي يقولون عنها!
أحيانا يقودك وعيك إلى ممر طويل كتب على مدخله: «لن تكون سعيدا إلا بالقدر الذي تحصل فيه على ماتريد».
وما أن تدخل هذا الممر حتى تكتشف أنك سقطت في الفخ، الذي ربط السعادة بالاحتياجات والرغبات وأحياناً بالشهوات والنزوات، لتخرج من الجهة الأخرى، وقد كتب في نهاية الرحلة: «تشخيص السعادة قتل لروحها وتعذيب لطالبها».
وإذا سألتني عن رأيي -وأنا أعلم أنك لم تسألني ولكنها رغبتي في الثرثرة- فسأقول لك إن السعادة هي وعيك بها كحالة ليست متمركزة في نقطة ولكنها مبعثرة في تفاصيل الرضى والتفاؤل والإيجابية والشكر وقراءة المعاني وتوحيدها، قد تكون كامنة في أبسط الأشياء حولك، وليست نتيجة نهائية لحاجات ورغبات قد تسبب التوتر والضغط والسكر الناجم عن طموح مبالغ فيه مدى الحياة، وحتى عندما نحصل عليها فسيكون عنوان حياتنا باختصار هو «ضحكة واحدة تكفي... والباقي بكاء»!
لا أدري بالتحديد ما إذا كان هذا الرأي يهمك أم لا، إلا أنه قد تكون أكثر الأشكال تعبيراً عن السعادة هو التحرر الكامل من تحديدها أو جعلها مقدمة أو نتيجة لأي شيء.
في كتابه التفاؤل المتعلم يشير رائد علم النفس الإيجابي سليغمان، إلى أن التفاؤل والتشاؤم هما أسلوبان في التفسير المعرفي للوقائع، بمعنى أن الرجل الغافل عن كونه آمنا في سربه وعنده قوت يومه ومعافى في بدنه ومحاطا بأسرته وأبنائه وأصدقائه و«شاحن تليفون قرب رأسه»، وكتاب ممتع على مكتبه، ورغم ذلك يشعر بالوحدة وبأنه حزمة من الخشب تحترق داخل فرن عتيق، بينما السماء تمطر في الخارج... هذا الرجل مشكلته في غفلته عن قراءة المعاني وليست في العالم الخارجي، مشكلته أنه يلعب لعبة بائسة ومبخسة تحت شعار إما كل ما أريده أو لا شيء.
في الحديث الصحيح الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء».
وكما يعلم أصحاب اللغة فإن «من» هنا للتبعيض وليس للتعميم، وكل الإشارات الموجودة في الحديث الشريف، المشترك بينها هو أنها ضمن المعتاد في اليومي والمعاش «بضم الميم» حولك وليس في الغد أو آخر الممر.
كان الإنسان يحدق في الطبيعة ويتأملها ويراقبها ويتفاعل معها، حتى ظهر القمر الاصطناعي وجعله جالسا خلف الشاشات يبحث عن السعادة!
وإذا كان ثمة مثال صارخ في وجوهنا للتعبير عن الحياة السعيدة، فهو نماذج نجوم «السوشل ميديا» الذين يتحفونا بلقطات رائعة وممتعة من حياتهم حتى بتنا نعتقد أن هذه هي السعادة.
لقد بتنا نعتقد أن اللحظة السعيدة التي لا توثق بالكاميرا هي لحظة ضائعة وساقطة من الذاكرة وبلا قيمة، لأنها لم تشاهد من الآخر!
ولكني أحذرك من خطاب مصنوع من روث الحصان، ولكن لسبب ما نجهله أريد له أن يفوح برائحة المسك يشخص لنا ولأبنائنا مفهوم السعادة في صور بلا ذكريات وفي رسائل و«أيموجيات» بلا مشاعر!
فجأة استيقظ الرجل من نومه وقال لي:
- عرفت أشلون... السعادة هي أن نحصل على ما نريد.
ثم نظر للمضيفة بطريقة مريبة وغط في نوم عميق!

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا