السيناريوهات البرلمانية

رؤية ورأي

من التقاليد السياسية المتبعة في الديموقراطيات العريقة، اجتهاد البرلمانيين السابقين في انتقاد أداء البرلمانات القائمة، وبالأخص أداء البرلمانيين الذين سينافسونهم في الانتخابات اللاحقة. وبلا شك الكويت تضاهي، وقد تتفوق على، تلك الديموقراطيات، في هذه الجزئية، ثقافة كشف السلبيات وتضخيمها، بل واختلاق إشاعات.
من بين الأمثلة الحديثة على هذا النهج السياسي في الكويت، تصريحات بعض النوّاب والقياديين السابقين، بشأن تصويت المجلس الحالي على طلبي إسقاط عضوية كل من النائبين الحربش والطبطبائي. حيث اعتبروا أن تلك الجلسة لم تكن سوى مسرحية برلمانية، التزم فيها الممثلون بالسيناريو المعد مسبقا من قبل الحكومة بالتنسيق مع أقطاب سياسيين.
في البداية، أضحكتني تلك التصريحات، لأنني أعرف أن أصحابها يعلمون، أن الحكومات السابقة أيضا كانت كاتبة سيناريو أو سيناريست متمكنة. شخصياً، لا أقول كما يقول مطلقو تلك التصريحات، ان جميع النواب ملتزمون بإرشادات السيناريست الحكومي أو مساعده من جناح المعارضة.
ولكنني أرى أن السيناريست ومساعده قادران على استقراء أداء الممثلين المستقلين، وبارعان في تكييف السيناريو ليتوافق مع أدائهما المتوقع، كما هو حال في برامج تلفزيون الواقع.
بعد التدقيق في التصريحات - التي أضحكتني - لاحظت أن أثرها الآخر هو إلهاء المواطنين عن فضيحة تطاول بعض رفاقهم، من رموز «الحراك»، على الدستور في ذات الجلسة. أي أن بعض منتقدي الجلسة الافتتاحية، ممن يرون أن عضوية النائبين كان يجب أن تسقط وفق منظورهم الدستوري، لا يريدون أو لا يستطيعون، انتقاد موقف وتصويت هذا البعض من رفاقهم.
لأنهم يدركون أن في ذلك النقد، إدانة لبعض رموز «الحراك»، بأنهم في تلك الجلسة خرقوا الدستور، الذي ادعو أبان «الحراك» أنهم حماته. وبالتالي ستكون الإدانة بمثابة إقرار من مطلقو التصريحات، بأنهم خدعوا بشعار «إلا الدستور». وتباعا، اعترافا ضمنيا منهم، بخطئهم الاستراتيجي، في مرحلة الربيع الكويتي. لذلك لجأ مطلقو تلك التصريحات إلى توزيع وتعميم سلبيات جلسة هتك الدستور على النواب، عوضا عن مواجهة رموز «الحراك» وفضح تناقض مواقفهم من الدستور.
والأشد غرابة، أن من بين هؤلاء المنتقدين لجلسة هتك الدستور، من يسعى لتحصين عضوية النائبين الحربش والطبطبائي، من أحكام مرتقبة من المحكمتين الدستورية والإدارية.
فبعد أن أعلن عدد من النواب والمحامين عن نيتهم نصرة الدستور، عبر متابعة مساعي إسقاط عضوية النائبين، عبر المحكمتين الدستورية والإدارية، صدرت بعض التصريحات التي وصفت هؤلاء النواب والمحامين بالممثلين «الكمبارس» لذات المسرحية البرلمانية. وتمت الاستعانة بهم لإشغال الناس ببعضهم، وللتستر على ملفات أخرى جاءت وقت استحقاقها في الشقين التشريعي والرقابي، وفي مقدمها ملفات جرائم التطاول على المال العام.
الرسالة التي أرغب في إيصالها من خلال هذا المقال، هي أن المجلس الحالي، وإن كان أقل بكثير من الحالة التي رسمها المجلس التأسيسي في الدستور، إلا أنه بكل تأكيد ليس أسوأ من المجلس الذي شرّع القوانين التي قيّدت الحريات، ولا المجلس الذي أقر إعدام المسيء، ولا المجلس الذي ضخم حسابات العديد من أعضائه، ولا المجلس الذي نقل صراع الأقطاب إلى ساحات الرياضة الكويتية، ولا المجالس التي حصنت سراق المال العام.
والصورة السيئة جدا للمجلس الحالي، الراسخة في أذهاننا، خلقها البعض في المجالس السابقة، من خلال نشر الأخبار المزيفة في وسائل التواصل الاجتماعي، مثلما هو الحال في الدول الديموقراطية الأخرى، ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية، التي تعمل اليوم بجد من أجل التصدي لمنابع الأخبار المزيفة في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في فترات الانتخابات، ومنها النصفية الأخيرة.
علينا أن نزن مصداقية الأخبار التي تصلنا ونقيم صلاحية التعقيبات عليها. فعلى سبيل المثال، انسحاب العضوين هايف والدمخي من اللجنة التشريعية، أثبت زيف الإشاعة التي ادعت وجود مؤامرة وراء تشكيلة اللجنة بالتزكية. والاتهامات التي توجه للمجلس الحالي بأنه الأضعف في تاريخنا البرلماني، كذبتها اللجان التي تشكلت خلال الشهرين الأخيرين، للتحقيق مع وكلاء في وزارتي التربية والأشغال، وما رافقها وتبعها من قرارات إقالة وتحويل إلى التقاعد لعدد من الوكلاء في الوزارتين. لا أقول إن هذه الإجراءات هي غاية الإصلاح المنشود، ولكنها بكل تأكيد أفضل من إجراءات مجالس سابقة، كالتي منعت وزيرا من إقالة قيادي فاسد، واستجوبته عندما قرر عدم التجديد للفاسد، فاستبعد الوزير ونقل الفاسد إلى منصب قيادي آخر. «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

 abdnakhi@yahoo.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا