هل الاستخدام المفرط لتكنولوجيات التواصل الاجتماعي ظاهرة صحية أم مرضية؟

دراسة علمية تناقش العلاقة بين هذه الوسائط والأمراض النفسية

 حسن عباس:



  • تكنولوجيا المعلومات  لم تعد رفاهية وحاجة زائدة بل فرضت  نفسها لتكون  اليد اليمنى  لإنسان القرن الـ 21

    الخجل في الكويت  ليس شكلاً واحداً  بل نوعان متمايزان

    مَنْ يعاني من متلازمة  التردد أو الإحساس بالعزلة  هو الأكثر إدماناً واستخداماً  للوسائل التكنولوجية

    الحالة النفسية  غير المستقرة  والمتسمة بالتردد الشديد نجدها  مع الأفراد غير المتزوجين  أعلى بالمقارنة بالمتزوجين

    المنفصل الذي يعيش  اللا استقرار ولا ينعم  بالهدوء يعاني كثيراً  من حيث التردد والخوف

    الشخص الذي يُدمن  ويُكثر من استخدام شبكات  التواصل غالباً ما يكون  الدافع لذلك  حالة نفسية مرضية

    مع كل ظهور  لتكنولوجيا جديدة  وبعدما يستخدمها الإنسان  لمدة زمنية تبدأ  المحاسن والعيوب بالبروز


من أبرز علامات عصرنا الحاضر، ظاهرة التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات واستخدامها المفرط في جميع جوانب الحياة. وقد أطلقت كتب التاريخ على العصر الذي نعيشه بالثورة التكنولوجية كونها السمة الأبرز فيها. بل حتى مسمى الثورة التكنولوجية أصبحت قديمة بعض الشيء لدى قطاع واسع من المفكرين، فهم يعتبرونها فترة زمنية ماضية انقضت الآن وأصبحت صفحة مطوية كوننا نعيش اليوم ومنذ عقدين من الزمان نسخة جديدة وثورة مختلفة أخرى اسمها الثورة الاتصالاتية والتي لها ظروفها وتقنياتها الجديدة وتحمل طبيعة ونوعية لم يألفها الإنسان من قبل.
نريد في بحثنا هذا، أن نسلط الضوء على الجوانب السيئة والآثار الجانبية لنمط محدد من هذه التكنولوجيات والاستخدامات والتي تُعد الأشهر على مستوى الاستخدام، ألا وهي تكنولوجيات التواصل الاجتماعي من قبيل «تويتر» و«الفيسبوك». كما نعلم أن وسائط التواصل الاجتماعي وبرامج المراسلات الشخصية أصبحت النمط الجديد في التواصل مع الآخرين واستقاء الأخبار وتعديل المزاج حتى أضحت البديل والمنافس الرئيسي للعلاقات الاجتماعية الطبيعية كالزيارات الميدانية والمعايدات وخلافه.
فبدلا عن ذلك، أصبح الناس يتواصلون ويتعارفون ويتعايدون إلكترونياً من خلال هذه الوسائل. بل وأكثر من ذلك، أصبح الناس يقضون الكثير من أوقاتهم (قد تتجاوز 70 في المئة) بالنظر إلى أجهزتهم المحمولة والتي حقيقة أصبحت المرافق الشخصي personal assistant.
لذلك خصصنا بحثنا هذا لدراسة العلاقة بين هذه الاستخدامات والحالة النفسية التي قد تكون الدافع وراء إفراط المستخدمين. ينقسم البحث إلى عدة أقسام كالتالي: بالبداية نشرح ونقدم السؤال البحثي، ويتبعه توضيح حول المنهج البحثي الذي اعتمدناه. يعقب ذلك تقديم وشرح لنموذج الدراسة الذي بنيناه لغرض فهم ابعاد المشكلة وآثارها. بناء على نموذج، نستعرض في القسم الذي يليه مرحلة جمع البيانات والتحليل الإحصائي، ثم أخيرا النتائج والتوصيات والاستنتاجات.

السؤال البحثي وهدف الدراسة
تكنولوجيا المعلومات لم تعد رفاهية وحاجة زائدة للإنسان، بل أصبحت واقعاً عينيا وفرضت نفسها لتكون الحاجة الماسة واليد اليمنى والأداة الضرورية لإنسان القرن الواحد والعشرين، والتي من دونها سيجد نفسه حتماً تائها ضائعا مسلوب الإرادة لا حول له ولا قوة عاجزاً لا يقدر على إدارة شؤون حياته. لذلك لا يعقل أن يتحرك الإنسان بالمجتمع والحياة اليوم من دون هذه الوسيلة الحيوية والمهمة، وفي الوقت نفسه من السذاجة والسطحية الشديدة أن نأمر الناس اليوم بإعادة عقارب الساعة للوراء والتوقف عن استخدامها بحجة أنها تأتينا بآثار سيئة.
فهذه التكنولوجيا كأي تكنولوجيا أخرى سبقتها بالظهور على ساحة المجتمع الإنساني لا بد لها من آثار سلبية وجانبية واستخدامات ضارة سواء على المستوى الفردي والجماعي. والتاريخ رصد أمثلة كثيرة لتكنولوجيات سابقة مما كان لها أثر بالغ على المجتمعات البشرية، لكنها بالوقت نفسه أضرت بالإنسان حينما استُخدمت بطريقة خاطئة وسيئة كالديناميت والسيارات والطائرات وغيرها الكثير. فمع كل ظهور لتكنولوجيا جديدة، وبعدما يستخدمها الإنسان لمدة زمنية، تبدأ المحاسن والعيوب بالظهور، فينتقل الإنسان من بعد مرحلة التطبيق الأولية إلى مرحلة التحسين والدراسة الفكرية لأفضل الاستخدامات من خلال سن التشريعات المناسبة ووضع القوانين والتفسيرات المتعلقة بالكيفية السليمة للاستخدام لجني أفضل النتائج وتفادي الخسائر والآثار الجانبية والسيئة.
الأمر الملفت أن البشرية لم يمر على تاريخها الطويل اختراع أكثر عمقاً وأثراً كما فعلته تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. من البديهي إذا ان نتوقع منها آثارا وانعكاسات جانبية وسيئة نظرا لكثافة استخدامها وتأثيرها في حياتنا اليومية. وبالتالي بحثنا يأتي ضمن هذا السياق ليكشف عن احد هذه الجوانب السلبية لتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي والتي نهدف منها أن نُحسن من استخدامها ونقلل من آثارها السلبية.
اعتماداً على ما سبق، تهدف الدراسة إلى فهم أفضل للعلاقة بين استخدام الإنسان الكويتي لوسائل التواصل الاجتماعي (تويتر مثلا) وبرامج التراسل المباشر كالواتساب من جهة، وبين ظهور المشاكل النفسية الشهيرة الناتجة عنها من قبيل الخجل shyness ومرض الانطوائية والانعزالية loneliness من جهة ثانية.
قد يتراود على الذهن أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا والامراض النفسية قضية معروفة ولا حاجة للبحث فيها. في الحقيقة الجواب العلمي يجب أن يكون موثقا ولا يُرمى هكذا من دون أدلة. ما أقصده أن العلاقة بين الاستخدام والأمراض النفسية ليست من السهولة بمكان وليست من المسلمات كما يظن البعض. لذلك حتى نعترف بوجود هذه العلاقة علينا أن نأتي بالدليل العلمي الموضوعي، وهو ما دفعنا للعمل للكشف عن حقيقة وجود هذه العلاقة.
إذا الإجابة الأولى على هذا الإشكال هو أننا بحاجة إلى دليل علمي كي نتمكن من إدانة التكنولوجيا ونُثبت وجود علاقة بين الدافع لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي وإصابة الإنسان بالأمراض النفسية. فهل التكنولوجيا متهمة ومتورطة بهذه المشكلة، أم أنها بريئة ولا علاقة لها بما يعانيه الإنسان الكويتي من مشاكل نفسية؟ النقطة الثانية جميع الدراسات أو قل أغلبها أُجريت بالمجتمعات الغربية والأسيوية البعيدة، في حين أن هذه الدراسات تكاد تكون معدومة في منطقة الخليج والعربية بشكل عام. لذلك وجدت من المناسب أن أفهم هذه العلاقة بين الطرفين وهل نحن نتشابه ونعاني كما يعاني الأميركيون مثلاً من الوحدانية والاكتئاب بسبب استخدامات هذه البرامج كما وجدت آخر الدراسات بهذا المجال (Chicago, 2018).
وثالثا لأن غالبية الدراسات في المجتمعات الغربية تنصب على استخدامات الفيسبوك كونه البرنامج المفضل والأكثر شهرة بين الناس في تلك المجتمعات الغربية والآسيوية، في حين نحن هنا نختلف من حيث الخلفيات الثقافية والقيم الفكرية ونفضل التويتر والإنستغرام والسنابتشات والواتساب على الفيسبوك ونعتبره برنامجا هامشيا تماما على العكس من غيرنا. فقد يلتبس الأمر ويُشار بأصابع الاتهام إلى برنامج محدد دون غيره، وتضيع الحقيقة بذلك. لذلك نريد أن نعرف ما إن كانت المشكلة مرتبطة ببرنامج محدد، أم المشكلة ليست في اسم البرنامج بقدر ما هي بالوظيفة التي يقدمها ويسعى لها وبالتالي تشترك برامج عدة كونها جميعا تعمل في الإطار نفسه، أم الأمر متعلق بما يحمله كل من مجتمع من قيم ومبادئ بحيث الجغرافيا هي من تحدد الضحية أم أنها تشمل الإنسان في شكل عام بغض النظر عن الهوية الثقافية والدينية والقيم المجتمعية؟
بالنتيجة وجدت لهذه الأسباب المتنوعة أن دراسة العلاقة بين الاستخدامات والآثار السلبية على النفس البشرية بالكويت موضوعاً مستحقاً ومسؤولية مناطة بنا نحن أصحاب الشأن.

منهج البحث

هذا الصنف من الدراسات يعتمد على أداة جمع البيانات وتحليلها إحصائياً للكشف عن حقيقة وجود علاقات بين المتغيرات. لذلك قمنا بمراجعة مسحية للدراسات السابقة المتعلقة بموضوع البحث لتحديد المتغيرات التي تقيس استخدام تكنولوجيا التواصل الاجتماعي إلى جانب أدوات لقياس الأمراض النفسية المرضية كحالات الانطوائية والخجل التي تصيب الإنسان. وعليه اعتمدنا على الدراستين الشهيرتين في هذا المجال، وهما دراسة (Cheek & Melchior, 1985) لقياس الخجل shyness ودراسة (Russell, Peplau, & Ferguson, 1978) لقياس متغير الانطوائية loneliness.
بعد ذلك أنشأنا أداة خاصة للدراسة تتكون من خمسة أجزاء رئيسية وهي كالتالي: 1 - البيانات الديموغرافية، 2 - درجة استخدام (يبدأ من 0-لا أستخدمه مطلقا إلى 5- أستخدمه كثيراً جدا) مجموعة من برامج التراسل والتواصل الاجتماعي (تويتر، انستغرام، الخ)، 3 - قياس الخجل، 4 - قياس الانطوائية، 5 - وأخيراً نوعية ودرجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
في المرحلة اللاحقة قمنا بتوزيع الاستبانة على عينة «أولية» (pilot study) تمهيدية تتكون من 20 شخصا للاطمئنان على سلامة الأسئلة ومتانة الصياغة اللغوية. بعد جمع وتحليل هذه الردود وجدنا ان بعض التعديلات ضروري لإزالة الغموض أو اللبس في الفهم مع تحسين بعض العبارات كي تتوافق مع معناها الحقيقي ولا تبتعد عن مقاصدها. بعد ذلك قمنا بعملية التوزيع على عينة بلغت 537 فردا، وجدنا من بينها 26 مشاركة خاطئة تمت إزالتها ليتبقى من الردود 511 مشاركة.

نموذج الدراسة

تحدثت الكثير من الدراسات عن حقيقة وجود علاقة بين الاستخدام المفرط لبرامج التواصل الاجتماعية وإصابة الإنسان بالحالات المرضية النفسية الوحدانية والخجل. الوحدانية هي وضع اجتماعي يصيب تقريبا جميع الناس بلا استثناء. إلا أن الاختلاف بين حالة وأخرى يكمن من حيث الأهمية ودرجة الخطورة والشدة. فالإنسان يكون بحاجة للتدخل الطبي والعلاج النفسي حينما تشتد الحالة سوءاً من حيث المدة الزمنية ودرجة الشعور بها (Cherry, 2018). فالوحدانية تجعل الناس يشعرون بالفراغ ويميلون للعزلة أكثر وتبدأ قناعتهم تزداد شيئا فشيئا بأنهم أناس غير مرغوب فيهم ومنبوذون ومرفوضون.
يعتقد الأستاذ الجامعي جين (Jin, 2013) بأن الإنسان الأميركي كلما كبر بالعمر وتقدم بالسن، كلما دفعه ذلك للتوجه لاستخدام الفيسبوك تعويضاً عما يشعر به من عمق الإحساس بالانعزالية. ووجدت دراسته بأن الإحساس بالانعزالية له ارتباط واضح أيضا بعدد الأشخاص المرتبط بهم من خلال برنامج الفيسبوك. واتفقت مع هذه النتائج دراسات أخرى من قبيل البحث الذي قام بها العالمان ريان وزينوس (Ryan & Xenos, 2011) وأيضا دراسة الدكتور شيلدون (Sheldon, 2008) التي أثبتت بأنه كلما قلّت العلاقات الاجتماعية «الطبيعية» للإنسان، كلما ازدادت حاجة الإنسان للاستعانة بالبدائل الإلكترونية لتعويض ما يعاني منه بالواقع من خلال العالم الافتراضي الذي توفره برامج التواصل الاجتماعي.
أما الخجل فهو شعور ينتاب الإنسان حينما يفشل في التغلب على التواصل اجتماعيا مع الآخرين. يُفسر المتخصص الشهير في الأمراض النفسية الدكتور كروزير (Crozier & Jong, 2015) الخجل بأنه صفة لمشاعر الإنسان الداخلية التي تنتابه بسبب ظرف وعلاقة اجتماعية خارجية. ويعلق بالقول إنه مصطلح غالبا ما نستخدمه ونتداوله في حياتنا اليومية لكنه غامض وغير واضح تماماً ماذا نعني به. فريق عمل سترايتزك (Stritzke, Nguyen, & Durkin, 2004) يفسر الخجل على أنها حالة تنتاب الإنسان حينما يحاول السيطرة على صورته وتمالكه في المواقف الاجتماعية التي يكون فيها محرج للغاية ويصعب عليه أن يخلص نفسه منها أو يتجاوزها. وهي غالبا ما تكون الحالة التي يحاول فيها الإنسان جُل جهده وطاقته وتركيزه كي يحافظ على توازنه ولا يبدر منه أي خطأ كما يقول زيمباردو (Zimbardo, 1977). بعض العلماء يبتعد ويتطرف بالقول بأن الخجل ليس سوى مفردة لغوية لوصف زاوية من الشخصية البشرية، ولا تعني شيئا أكثر من ذلك (Saunders & Chester, 2008).

جمع البيانات والتحليل الإحصائي
وفرضيات الدراسة والنتائج

بدأ فريق العمل بتوزيع الاستبانة على مجتمع الدراسة، واستعنا لعمل ذلك بطلبة من كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت للمساعدة بجمع البيانات. وكما بينا في قسم المنهجية وبعد العينة الأولية وإزالة المشاركات الخاطئة، بلغت العينة 511 تشمل جميع فئات المجتمع الكويتي حيث بلغ عدد الذكور 129 (25 في المئة) و 370 (72 في المئة) من الإناث، وتراوحت الأعمار ما بين 18 إلى 50 سنة بدرجات أكاديمية مختلفة وأصحاب دخول متنوعة.
أجرينا مجموعة من الاختبارات الإحصائية للتأكد من سلامة البيانات (reliability، factor analysis، etc.). من النتائج المهمة في المرحلة الأولى من التحليل الإحصائي أن قياسات الخجل والوحدانية التي استُعملت في دراستنا كشفت أنه يوجد نوعان من الخجل لا واحد. بمعنى أن أداة قياس الخجل أوضحت أن الخجل بالكويت ليس شكلا واحدا بل نوعان متمايزان؛ لذا أطلقنا على النوع الأول انعدام الثقة confidence والنوع الثاني بمتلازمة التردد hesitate. كذلك أفرزت النتائج عن أن الوحدانية أيضا ليست صنفاً واحداً، بل نوعان مختلفان؛ أطلقنا على النوع الأول عدم التودد amiable والثاني العزلة abandoned.
لذلك أدخلنا هذه المتغيرات الأربعة الجديدة فأصبح شكل نموذج الدراسة والفرضيات كالتالي: نوعان من الخجل ونوعان من الوحدانية:
الفرضية الأولى: انعدام الثقة له تأثير إيجابي على استخدام شبكات التواصل الإجتماعي.
الفرضية الثانية: التردد يدفع بالإنسان أن يُفرط باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
الفرضية الثالثة: شعور الانسان بعدم تودد الآخرين له يدفعه لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بإفراط.
الفرضية الرابعة: الإحساس بالعزلة يدفع بالإنسان أن يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بإفراط.
بناءً على الفرضيات السابقة أجرينا اختبارا احصائيا آخر على نموذج الدراسة يُعرف بالإنكليزية باختبار structured equation modeling (SEM) للتأكد من وجود واقع حقيقي وعلمي للعلاقات بين متغيرات الدراسة وأيضا لقياس لدرجة التأثير بين هذه المتغيرات وحتى نطمئن إلى قوة نموذج الدراسة. النتائج أثبتت أن نوعا واحدا من الخجل ونوعا واحدا من الوحدانية يعتبران مؤثرين رئيسيين لاستخدام الإنسان لشبكات التواصل الاجتماعي. فما وجدناه أن من يعاني من متلازمة التردد (الخجل) أو الإحساس بالعزلة (الوحدانية) هما الأكثر ادمانا واستخداما للوسائل التكنولوجية ويلجأ إليها بسبب حالة مرضية نفسية، في حين لم نستطع إثبات علاقة بين المتغيرين الآخرين (انعدام والثقة وعدم التودد) واستخدام برامج التواصل الاجتماعي وهو ما جعلنا استبعادهما من المزيد من التحليلات الإحصائية.
اعتمادا على ما سبق نستعرض بعض الإحصائيات والمقارنات للتعرف على أكثر الفئات والقطاعات في المجتمع الكويتي تأثراً والتي تعاني (أو مرشحة لكي تعاني) من المشاكل النفسية بسبب استخدامها لشبكات التواصل الاجتماعي.
تشير البيانات إلى أن الجنس والعمر والحالة الاجتماعية كلها متغيرات لها ارتباط قوي جداً مع الشعور بالتردد (النوع الثاني من الخجل) ومع التوجه لاستخدام التكنولوجيا. فمن النتائج المهمة أن الذكور يشعرون بالتردد ويستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي مثلهم مثل الإناث، لكنهم أقل درجة مما يشعر به الإناث. فمتوسط الشعور بالتردد لدى الإناث (2.4) وهو أعلى مما نجده لدى الذكور (2.1)، وهذا الشعور المرتفع بالتردد والخوف (أو الخجل) يجعلهم يستعينون بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بصورة أكثر مقارنة بالذكور والذي بلغ متوسط استخدامهم 3.9 مقارنة بـ 3.6 لدى الرجال.
وهذا بالطبع له خلفية وواقع اجتماعي بالنظر إلى طبيعة المجتمع الكويتي المحافظ الذي يقيّد حركة المرأة بصورة أعلى مما يعيشه الرجل، وهو بالتالي يجعلها تشعر بالخجل كونها قليلة الاحتكاك بالآخرين مما يدفعها للتوسل بوسائل تكنولوجية بدلا من الخروج للشارع وتحدي القيم الاجتماعية والأسرية.
أيضا تشير الدراسة إلى أن الحالة النفسية غير المستقرة والمتسمة بالتردد الشديد نجدها مع الأفراد غير المتزوجين أعلى بالمقارنة بالمتزوجين. متوسط الشعور بعدم الاستقرار وحالة التردد عند المتزوجين تعادل 2.16 في حين نجدها مرتفعة بالنسبة للحالات الاجتماعية الأخرى؛ غير المتزوج (2.4)، المطلق (2.2)، المنفصل (3.33).
واضح أن المنفصل الذي يعيش اللا استقرار ولا ينعم بالهدوء بسبب ابتعاده عن الشريك، هذا النوع هو الأسوأ من بين فئات المجتمع ويعاني كثيراً من حيث التردد والخوف، وهذا شيء متوقع حيث أن الإنسان المنفصل يشعر بالحرج عند اجتماعه بالناس والمحيطين به لأنه لا يريد أن يتحدث معهم في شؤونه الخاصة المحرجة، وهذا يدفعه لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للهروب من الواقع الاجتماعي ويشعر بحرية أكبر بالتحرك في الواقع الإفتراضي.
وبالنسبة للفئات العمرية، نجد ما دون الـ 18 هم الأكثر استخداما لشبكات التواصل، تليها فئة ما بين 20 - 30. نظن أن موجة استخدام وسائل التواصل ألهبت المستخدمين وخصوصا الصغار والشباب في العقد الثاني بحكم فضولهم وشغفهم الزائد للتعرف على المميزات والكشف عن القدرات التي تقدمها هذه البرامج. وهذه ظاهرة تبدو واضحة للعيان في دولة الكويت، وأظنها ظاهرة تشمل منطقة الخليج بأسرها حيث الشباب يلتهون ويمضون أغلب أوقاتهم بتعلم واستكشاف هذه البرامج الإلكترونية.
لكن الغريب في الأمر أن من هم في العقد الرابع أكثر استخداما من نظرائهم في العقد الثالث، ولا أدري ما السبب؟ فقد يكون لأنهم يديرون أسر أكبر من حيث عدد الأفراد ومن ثم مسؤولياتهم الإجتماعية تكون أكبر حجما؟ أو بسبب ظروفهم وعلاقاتهم الإجتماعية الأكثر زحاما، أو لأنهم شارفوا على سن التقاعد فيحسبون أن هذه البرامج تمضية سعيدة للاستعاضة عما يخسرونه بسبب وقت فراغهم الطويل.    لكن في ما يخص حالة التردد والخجل فنجدها أعلى ما تكون عند الفئات ممن هم في العقد الثالث أو ما دون ذلك، وتبلغ أقصاها عند فئة الشباب ممن هم في السن الجامعية (18 - 22 عاما). حالة الخجل والتردد لدى هذه الفئة هي الأكبر (2.5)، وهذا يبرر استعانتهم بشبكات التواصل الاجتماعي كي يغطوا على وضعهم النفسي غير المستقر من هذا الجانب.

@hasabba

التوصيات

يتميز الاقتصاد الكويت بمعدلات مرتفعة من الدخل مقارنة ببقية الشعوب العربية وفي المنطقة حتى، وهو ما وفّر للمجتمع مستوى متقدم من رفاهية العيش وسهولة الوصول واستخدام الحديثة. وهذا ما دفع تقريبا بمعظم فئات المجتمع للاستفادة من الوسائل المتقدمة في شتى المجالات التجارية والترفيه والبحث وخلافه، كما بينت الدراسة.
لكن وكما أن للتكنولوجيا منافع ومزايا، كذلك قد تكون لها آثار سلبية إن لم نُحسن استخدامها ونتفادى جوانبها السيئة. نتائج البحث اثبتت أن الشخص الذي يُدمن ويُكثر من استخدام شبكات التواصل غالبا ما يكون الدافع لذلك هي حالة نفسية مرضية.
ينبغي أن نلفت النظر إلى ما يمكن أن نستنتجه عما ما لا يمكن قوله بناء على هذه النتائج. فما تؤكده الدراسة أن كثرة الاستخدام أو الإفراط بالتكنولوجيا بشكل عام قد تكون لها آثار سيئة. ففي الغالب من يُكثر ويُفرط في الاستخدام يفعل ذلك بدافع مرضي وحالة نفسية غير مستقرة تتطلب التدخل السلوكي العلاجي من المختصين. وجدنا من الدراسة أن العلاقة بين الاستخدام المفرط والدافع المرضي واضحة بنسبة كبيرة.
الأمر الثاني الإفراط باستخدام شبكات التواصل قد يكون مؤشرا إلى الإصابة بإحدى مشاكل الخجل أو الشعور بالوحدانية كما مر علينا في الأقسام السابقة، لكن قد تكون هناك عوامل أخرى لها يد في مشكلة الإفراط من قبيل طبيعة العمل كالمبرمجين او المسوّقين أو التحليلات العلمية أو عوامل أخرى لم نأخذها بالاعتبار. فكل ما يمكن أن نتيقن منه بحسب النتائج وجود احتمال ما نسبته 40 في المئة من أن المُفرط بالاستخدام يعاني من مشكلة نفسية مرضية ويجب أن يستعين بالتدخل الطبي.
وهنا نترك المجال واسعا أمام اولياء الأمور لمراقبة ومتابعة الأطفال خصوصا المراهقين ويعلموا جيدا أن طبيعة استخدامهم لشبكات التواصل قد تكون مؤشراً مثالياً ومهما في تحديد الحالة النفسية للطفل، طبعا لجانب مؤشرات أخرى لا يجب أن يغفل عنها المسؤول بالأسرة والجهات التربوية.
الأمر الآخر أننا لسنا متخصصين في مجال الأمراض النفسية كونه علما مختلفا، لكن هذه الدراسة وما على شاكلتها تساعد المختصين في هذا المجال ليتوسعوا بهذه الدراسات ويضيفوا المتغيرات المهمة الأخرى كي نفهم التأثيرات السلبية الأخرى للتكنولوجيا. لذلك ندعو أصحاب التخصص في العلوم السلوكية والنفسية والعلاجية إلى أن يتوجهوا للمزيد من الدراسات للكشف المبكر عن معظم الحالات التي قد تسقط رهينة بيد الأمراض النفسية الأخرى مثل الاكتئاب وفرط النشاط والسلوكيات العدوانية وتشتت التفكير وغيرها من الحالات.
مضافا لما سبق، نتوجه بالحديث لأولياء الأمور للاستعانة بأهل الاختصاص في مجال الطب النفسي للكشف على الحالة النفسية للصغير كان يستخدم برامج شبكات التواصل على غير الوجه الصحيح ولساعات طويلة، فقد يكشف هذا الإفراط وسوء الاستخدام عن خلل في الوضع النفسي وبالتالي تصبح المعالجة حاجة ملحة لإنقاذه مما يعاني منه.
بالنتيجة وجدنا أن الجميع مهدد بالسقوط بالأمراض النفسية والتي هي من أبرز سمات العقود المتأخرة، فلو كان الشاب في حالة زواجية غير مستقرة متذبذة على سبيل المثال، أو يعاني من الالتهاء بالبرامج الاجتماعية عن الاعتناء بالدراسة الجامعية، ويُكثر لحد الإفراط باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي فهذا مؤشر إلى أنه يعاني من اضطراب نفسي. وهذه المشاكل تستدعي طلب المساعدة النفسية من الاخصائيين والمعالجين النفسيين للتغلب على الاضطراب الذي يعانيه الإنسان.
وبالختام نود أن نلفت الانتباه إلى أن هذه الدراسة كتبت للنشر العلمي بالمجلات العالمية، وهذا يعني أن ما قلناه هنا هو إيجاز وملخص لأهم ما جاء فيها لغرض النشر في الصحيفة اليومية. فنحن آثرنا أن نزيل الكثير من المراجع والنقاشات الطويلة التي تعرضت للموضوع والكثير من التفاصيل والنقاشات حول النتائج أملا بعرض موجز وملخص يستفيد منه القارئ الاعتيادي. ولكم منا جزيل... الشكر.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا