العيش خارج حدود الزمن

ربيع الكلمات

العالم يتغير بصورة غير متوقعة وسريعة جداً، نحن أمام دول عصرية حديثة بدأت تتشكل ولكن ليس لها حدود طبيعية، ولكنها فاعلة بدرجة كبيرة، كل هذا بفضل العلم والتقدم التكنولوجي الهائل ووسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت العالم قرية صغيرة، بل جعلتك تخاطب مجموعة من الأشخاص في دول مختلفة في الوقت نفسه!
نحن أمام تحديات لن تصمد أمامها أكبر جيوش العالم، إنها جيوش العلم والتقدم والتكنولوجيا، إن لم نستعد جيداً لهذا التغيير ونكون على قدر من المسؤولية ونعيش في حدود الزمن، ونترك التفكير والعيش في الماضي وصراعاته، ونتوقف من البحث عن البطولات الزائفة أو المقولات التي تؤيد كلامنا لكي نلغي الآخر الذي يشبهنا إلى حد التطابق... فمصيرنا سيكون التقاعد المبكر والعيش على هامش الحياة، وهناك دول كثيرة في العالم العربي ستتقاعد مبكراً وهناك مؤشرات ومجسات تبين هذه الحقيقة ولعل من أهمها هو الفشل الاقتصادي وإيجاد العيش الكريم وتوفير رغيف الخبز، ونشر ثقافة الكراهية والقتل على الهوية وعدم احترام حقوق وآدمية الإنسان.
الذهاب والتفكير إلى المستقبل انه ليس بالأمر الهين والسهل، ولا يشبه الاستعداد لسفرة قصيرة، وإنما هو اختبار عسير وصعب... ولكنه ممكن، ويجب الصدق مع النفس، وتشخيص الواقع بشكل دقيق ومن ثم نضع الخطط لمواجهة العيش بالعالم المتقدم، وإلا فسنكون عالة على الدول المتقدمة.
في الشرق الأوسط القاتل والمقتول يرددون «الله أكبر» والغريب أن الاثنين كل واحد منهما يريد قتل الآخر، وعندما يقتل الأخ أخاه المسلم يفرح ويوثق ويصور ذلك بكل فخر واعتزاز، أي اجرام هذا وأي ثقافة هذه ومن الذي أوصلنا إلى هذا الحد، نسبح على بحيرات الدم ومستنقعات العصبيات، أمواج هائلة من البشر تدخل إلى البحر بقوارب متهالكة من أجل إيجاد عيش كريم لدى الغرب، العالم العربي أصبح يضيق بأبنائه فبدؤوا بالبحث عن بلدان آمنة لأبنائهم، وكل ذلك بسبب الفشل في بناء الدولة المدنية الحديثة التي تتسع للجميع بالرغم من اختلافاتهم المذهبية والعرقية، وهذه أفضل البيئات للتيارات المتطرفة كي تنمو، إنها تعيش خلف الأسوار وفي الغرف المظلمة وفشل الدولة المدنية.
وبدل أن نضع اليد على الجرح نبحث عن القشور ونترك اللب، ونقول إن ما يحدث لنا في العالم العربي هو مؤامرة غربية علينا! بالحقيقة أستغرب من هذا الطرح، ولماذا يتآمر علينا وما الذي نملكه ونتفوق به عليه حتى يتآمر علينا، الدول الغربية ترسل لنا العلم والتقدم والتكنولوجيا والتطور والتعليم والطب وكل شيء تقريباً... أما نحن في العالم العربي ما الذي أرسلناه لهم غير الكراهية والحقد على الآخرين! وإذا كان الغرب يتآمر علينا، فلماذا يستقبل أنهار اللاجئين من جحيم وبراكين العالم العربي الذي ضاق وصغر على مواطنيه؟
سنوات ونحن نشتم الغرب، ولكن عند حدوث أي مشكلة سرعان ما يذهب العربي للغرب بحثاً عن الأمن والأمان والسلام ولقمة العيش الكريم له ولأسرته، ويجد منه كل اهتمام ورعاية ومساعدة، لكن البعض ينكر كل هذه الخدمات والجمايل!
من الذي يخطط لغرس بذور الفرقة والفشل؟ من الذي صنع من الأجهزة الإعلامية أبواقا لا تحترم عقل المشاهد؟ ولماذا يجد فكرا متطرفا يريد أن يلغي الآخر ويريد قتله، حجم الشتائم وتخوين الآخر في برامج التواصل الاجتماعي أصبح لا يطاق ومزعج.
الأحزاب العربية كذلك تحولت إلى أحزاب ساكنة رحيلها أهم من بقائها، تقاتل الاستبداد وتمارسه في الوقت نفسه، تدعي الحرية والتداول السلمي للمناصب وتجدها تتشبث بالكراسي وتريد توريثها لأبنائها وأقربائها وتتآمر على بعض لتحقيق هذه الأمنيات.
 كم هو محزن أن نعشق ونتحدث عن الماضي ونحن عاجزون عن فعل أي شيء للمستقبل، نعشق العيش خارج حدود الزمن، وصدق المرحوم غازي القصيبي عندما قال: «أنا لا أملك إحصائيات ولكني مستعد للمراهنة على أن كتب المستقبل لا تصل إلى 1 في المئة من كتب الماضي: الذكريات، المذكرات، والسير الذاتية، وكتب التاريخ، وكتب البكاء على الأطلال... إلى آخر القائمة».
والأمر لا يقتصر على الشيوخ أمثالي، سواء جاءت شيخوختهم مبكرة أو متأخرة، حتى الأطفال الصغار يتحدثون عما كان «يوم كانوا صغارا»، هذا شيء يدعو إلى الحيرة: أن يتحدث طفل الثامنة عن «ذكرياته» ويرفض الحديث عن السنة الدراسية المقبلة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا