بين «البروف» والمناضل!

رؤية ورأي

من بين المقالات الرائعة لزميلي ناصر العبدلي، تلك المعنونة «بين المناضل والقبيض»، التي يروي فيها قصة نائب، انتفض ضد فساد حكومة سابقة، واقتحم مجلس الأمة، للتعبير عن استنكاره فساد بعض زملائه المرتشين «القبّيضة». فحكم عليه بالسجن لمدة تزيد على الثلاث سنوات، مما أفقده شرطاً من شروط العضوية البرلمانية. فعرض طلب إسقاط عضويته في اللجنة التشريعية، وجاءت نتيجة التصويت ضد إسقاطها، فشكر الأعضاء الذين صوتوا لصالحه، وكان من بينهم «قبّيض»!
حسب رأي الأستاذ العبدلي، وأنا أتفق معه، هناك حافة هاوية قانونية يجب على السياسي أن يحذر منها. وأن السياسي الناضج «لا يسلم أبداً رقبته لخصومه كي يصفوه سياسياً من خلال القانون».
لدينا في التاريخ السياسي الكويتي، مجموعة من السياسيين الناضجين، بأعمار سياسية متباينة. من بينهم، الرئيس الأسبق للبرلمان أحمد السعدون والنائب سيد عدنان عبدالصمد، اللذان كان كل منهما ركيزة لموقف تاريخي أو أكثر في قضايا وطنية حساسة، ذات بعد إقليمي. وفي الوقت نفسه، كلاهما تفادى السقوط في هاوية مخالفة القانون. فالسعدون رفض المشاركة في اقتحام المجلس، بالرغم من أنه كان من بين المشاركين في المسيرة الاعتراضية السلمية التي انتهت بالاقتحام، ليس ضعفا منه، بل حصافة سياسية، فمثله لا يشكك في قوته. وسيد عدنان احترم القيود الإعلامية المشددة... وهذه حنكة سياسية، فمثله لا يشكك في شجاعته.
في مقابل الناضجون سياسياً، عانينا من العديد من السياسيين الانفعاليين الاستعراضيين، أصحاب المواقف المتقلبة والمتناقضة. كالمناضل ضد الفساد الذي انقلب موقفه من «القبّيضة» فشكر أحدهم، بعد أن تمت إدانته في قضية اقتحام المجلس.
وفي مثال آخر، نجد اليوم مناضلاً من أجل الحريات، كان له - قبل صدور أحكاما بسجنه - دوراً محورياً في تشريع قانون الجرائم الالكترونية، الذي تسبب في صدور أحكام بسجن الكثير من المغردين! بعضهم دخل السجن، وآخرون اضطروا إلى مغادرة البلاد.
هذا المناضل من أجل الحريات، انزعج كثيراً من تشكيلة اللجنة التشريعية الحالية، بعد اختيار رئيسها ومقررها. فغرد محذراً أهل الكويت من التشكيلة «الخبيثة»، واتهمها بأنها ستسعى للمزيد من تشريعات القمع! متناسياً دوره المحوري في تشريع قانون قمع به المغردين. ثم أتبع تلك التغريدة بأخرى موجهة إلى قطبين اثنين من الأسرة الحاكمة، متسائلا: «وينكم»؟
واستمر مناضل الحريات في استهداف اللجنة التشريعية، حتى بعد الإعلان عن موافقة اللجنة «بالإجماع» على قانون الأحوال الجعفرية، متجاهلاً هذا الإنجاز التاريخي لصالح الحريات الدستورية.
وبعد أن قرر المجلس إحالة استجواب رئيس الحكومة، المقدم من النائب المويزري، إلى اللجنة التشريعية، ضاعف المناضل من حملته ضد اللجنة، رغم أن قرار الإحالة اتخذه المجلس وليس اللجنة. والأغرب، أنه في جلسة 29 أبريل 2014، كان هو أحد المتحدثين المؤيدين لطلب إلغاء استجواب رئيس الحكومة! نعم إلغائه، وليس إحالته إلى التشريعية لإعداد رأي دستوري غير ملزم.
ومن أجل إظهار تناقض هذا المناضل، كتبت تغريدتين. عرضت في الأولى رابط كلمته في جلسة 2014، ووفرت في الثانية رابطا لمقطع يذكر فيه النائب رياض العدساني، اسم النائب الذي بكى في تلك الجلسة. فرد على المناضل، بتغريدات مليئة بالشتم والسب والقذف، كان من بينها تغريدتان لقبني فيهما بـ«البروف»، مختصر البروفيسور.
هذا الموقف القمعي من قبل مناضل الحريات، استغرب منه كثيرون، إلا أنني كنت أتوقعه منه. لأنني أعرف سيرته منذ الثمانينات من القرن الماضي، حين تعرض للنساء متوجهات إلى الحسينيات. وأعلم أيضاً أنه تطاول على العديد من خصومه السياسيين خلال فترة عضويته. وهو اليوم من أشهر المغرّدين، من حيث تجريح مخالفيه، عبر الاستعانة بألقاب تعيّن المقصودين، من دون تسميتهم، لتفادي الملاحقة القانونية. فهو لا يحترم القانون كالمخضرمين، بل يتحايل عليه.
المجلس مقبل على نهضة تشريعية، تشتمل على العديد من القوانين المعززة للثوابت الدستورية، ومن بينها قوانين طال انتظارها، كقانون الأحوال الشخصية الجعفرية. لذلك أدعو المناضل، الذي اعتاد على المواقف الاستعراضية، وعجز عن اتخاذ موقف حقوقي مثمر؛ أدعوه إلى المشاركة في تعزيز الحقوق والحريات الدستورية، عبر مساندة اللجنة التشريعية، عوضا عن السعي لعرقلتها... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا