هل انتهت الأزمة الأردنية؟

كان ضرورياً ان تنعقد في مكة قمّة خليجية مصغّرة دعا اليها الملك سلمان بن عبد العزيز من اجل المساعدة في اخراج الأردن من ازمته الاقتصادية، التي سعت اطراف خارجية الى استغلالها. لم يكن طبيعيا ترك الأردن يغرق في ازمته نظرا الى ان ذلك يمكن ان تكون له انعكاسات على الاستقرار الإقليمي برمته. يدخل دعم الأردن في سياق الحرب التي تخوضها الدول العربية المعتدلة والواعية التي اصبحت في مواجهة مكشوفة مع ايران. اخذت هذه الحرب بعدا جديدا منذ سقوط صنعاء في يد الحوثيين في سبتمبر 2014. وقتذاك بدأت ايران في استغلال اليمن، بطريقة مكشوفة اكثر، كي يكون شوكة في خاصرة كلّ دولة خليجية، خصوصا المملكة العربيّة السعودية.
كان استهداف الأردن من بين ما ترغب فيه ايران من جهة و(الاخوان المسلمون) من جهة أخرى. هؤلاء يحاولون استعادة ما فقدوه في الأردن في العامين 2011 و 2012 عندما اعتقدوا انّ هناك دولة عربية اينعت وحان قطافها. كان اخوان مصر الداعم الاوّل في تلك المرحلة للتحرّك الاخواني في الأردن. بدأت امدادات الغاز المصري للاردن تتوقف بين حين وآخر نتيجة سياسة متعمدة من جهة وتفجيرات للانابيب التي تنقل تلك المادة الحيوية من سيناء من جهة أخرى. كلّف ذلك الأردن الكثير في تلك المرحلة القصيرة التي تحكّم فيها الاخوان بمصر. اضطره ذلك الى البحث عن مصادر أخرى للطاقة في ظروف اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها صعبة ومعقّدة. كان استخدام الغاز المصري الذي يتزود به الأردن جزءا لا يتجزّأ من الضغوط التي مورست على المملكة.
لم يدرك الاخوان ان الأردن كان قادرا على تجاوز عاصفة «الربيع العربي» بأقلّ قدر من الخسائر. استغلوا أخيرا الفتور في العلاقات بين عمان والعواصم الخليجية من اجل دقّ اسفين بين الأردن وحلفائه التقليديين الذين ارتبط بهم بعلاقات ذات ابعاد مختلفة، من بينها البعد الامني، منذ فترة طويلة.
من حسن الحظ ان هناك وعيا خليجيا لما هو على المحكّ في الأردن، في وقت تسعى ايران الى الخروج من الازمة التي تعاني منها في سورية والعراق. في سورية، هناك امام ايران خياران احلاهما مرّ. امّا الخروج من البلد او استمرار تلقي الضربات الإسرائيلية التي لا تستطيع الردّ عليها في ظل رغبة روسية في لعب دور المتفرّج. وفي العراق، تزداد كلّ يوم الدلائل على انّ هناك وعيا في العمق للخطر الايراني ولضرورة ايقاظ الروح الوطنية العراقية التي مكنت البلد من الصمود ثماني سنوات وتحقيق شبه انتصار على ايران بين العامين 1980   و 1988.
يشكل الأردن حلقة من حلقات الصمود في وجه المشروع التوسّعي الايراني والاخواني. لذلك كان لا بدّ من مساعدته بغض النظر عن أي تقييم لمرحلة السنوات الثلاث الأخيرة التي شهدت نوعا من التجاذب بين عمان والرياض، خصوصا بعد اكتفاء الأردن بخفض مستوى التمثيل الديبلوماسي مع قطر حين قررت الدول الأربع (السعودية والامارات والبحرين ومصر) مقاطعتها في الخامس من يونيو من العام 2017.
تجاوز الأردن ازمة خطيرة أخرى كانت تشكل تهديدا له ولغيره. هذا لا يعني ان الامور ستعود بسرعة الى طبيعتها وان لا حاجة الى اصلاح الأخطاء التي حصلت في المرحلة التي كان فيها الدكتور هاني الملقي رئيسا للوزراء. كلّ ما يمكن قوله عن تلك المرحلة، التي توجت بتظاهرات كبيرة ضد مشروع قانون ضريبة الدخل واستقالة حكومة الملقي، انّه كان هناك سوء تسويق للإصلاحات الاقتصادية المطلوب تنفيذها. اكثر من ذلك، هناك تجاهل، او عدم استيعاب، لطبيعة التحديات التي يمرّ فيها الأردن في هذه المرحلة بالذات وذلك على الرغم من كلّ النيات الطيبة التي، ربّما كانت لدى هاني الملقي.
ما لا بدّ من الاعتراف به ان أخطاء حصلت من الجانب الأردني، وذلك بدل الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الآخرين. صحيح ان الملك عبدالله الثاني بذل جهودا كبيرة ليكون على اطلاع على ما يدور في الشارع وعلى ما يعانيه المواطن العادي، لكنّ الصحيح أيضا انّه لم يوجد من يشرح للمواطن ماذا يدور داخل الأردن والخارج وما هي هموم الأردن في هذه المرحلة، ومدى معاناة المملكة من كلّ ما يدور حولها في ظل وجود ما يزيد على مليون لاجئ سوري في أراضيها.
لم يمتلك الأردن أي استراتيجية علاقات عامة من ايّ نوع، لا في الداخل ولا في المحيط العربي، في وقت هناك إدارة أميركية لا يهمّها شيء غير الاستجابة لما تطلبه إسرائيل. لم تجد هذه الإدارة غضاضة في نقل السفارة من تل ابيب الى القدس في ظلّ ترهل ليس بعده ترهّل للقيادة الفلسطينية في الضفّة الغربية، وغياب أي وعي من ايّ نوع لدى القيادة الفلسطينية الأخرى في قطاع غزّة.
وجد الأردن نفسه في وضع لا يحسد عليه. كان لا بدّ من مساعدته. من يساعد الأردن انّما يساعد نفسه أيضا ويخدم الاستقرار في الاقليم ويقطع الطريق على مخططات ايران والاخوان المسلمين في الوقت ذاته.
تبقى نقطة أخيرة لا مفرّ من التوقف عندها. احسنت الدول الثلاث في تحديد الطريقة التي ستقدّم فيها المساعدات المخصصة للاردن وقيمتها الاجمالية ملياران ونصف المليار دولار. لم يتضمن المبلغ أي هبات. يعطي ذلك فكرة عن تحوّل في التفكير الخليجي. ثمّة حاجة اردنية الى التكيّف مع هذا التحوّل الذي يعكس حصول نقلة نوعية في النظر الى العلاقة مع الدول الأخرى. الأكيد ان الأردن سيكون قادرا على التعاطي مع المعطيات الجديدة والتكيّف معها، خصوصا ان عبدالله الثاني رجل يمتلك صفات كثيرة في مقدّمها استشراف المستقبل. مكّنه ذلك من تجاوز صعوبات كثيرة وطرح المشاكل التي يعاني منها الأردن والمنطقة بصراحة ليست بعدها صراحة، خصوصا عندما يتحدث عن التعليم وكيفية مواجهة التطرّف بكل اشكاله ودور الإسلام المعتدل في ذلك.
هل انتهت الازمة في الأردن؟ الجواب ان المساعدات الخليجية ضرورية، لكنّ مسؤوليات كبيرة ستكون ملقاة على الحكومة التي سيشكّلها الدكتور عمر البزّاز الذي يعرف تماما، بفضل خبرته في هذا المجال، كيف التعاطي مع الإصلاحات المطلوبة من المؤسسات الدولية على رأسها صندوق النقد والبنك الدولي. قامت الكويت والامارات والسعودية بالمتوجب عليها وقام عبدالله الثاني بما كان عليه القيام به عندما تحدث الى الأردنيين، مؤكدا انّه يقف مع المواطن العادي ويتفهّم موقفه ومعاناته. جاء الآن دور تشكيل حكومة تكون في مستوى ما يمرّ به الأردن وما تمر به المنطقة، التي تقف على عتبة تطورات مصيرية في ظل ما يجري في بلدين على حدود الأردن هما سورية والعراق.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا