الذهب... ليس ملاذاً آمناً!

رأي مالي
تشهد الأسواق مرة أخرى تهافت المستثمرين الخائفين إلى شراء الذهب في وقت تعاني فيه الأسواق المالية العالمية من حالة اضطراب، ويبدو أن معظم عمليات شراء المعدن الأصفر هي من قبل أفراد عاديين لا يدركون تماماً ما يحدث فعلاً في الأسواق المالية العالمية أو الاقتصاد العالمي.

إن هذا التهافت على شراء الذهب دفع بالأسعار للارتفاع بشكل حاد خلال هذا العام، على الرغم من تراجع أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية.

ولا بد من الإشارة إلى أن أسعار الذهب كانت قد شهدت تراجعاً خلال السنوات الست الماضية، وإننا نعتقد أن بعض أسباب هذا الارتفاع في أسعار الذهب ترتبط بالمهرجانات الموسمية الهندية والسنة الصينية الجديدة.

ويرى البعض أن عدم توزيع الذهب لأي عوائد قد يكون هو السبب الذي يقف وراء هذا الارتفاع الأخير في أسعاره، ووفقاً لهذه النظرية فإن عدم توزيع الذهب للعوائد يعني أن الفرص المتزايدة لأسعار الفائدة السلبية في الاقتصاديات المتقدمة، والانخفاض الحاد في عائدات السندات الحكومية يجعل الاستثمار فيه مجزياً للغاية.

ولا يوجد لهذه النظرية أي فرصة للنجاح في حال استمر التضخم في الانخفاض، وأصبح الانكماش حقيقة واقعة، ومن المفترض أن يكون الذهب أداة تحوّط ضد التضخم وليس ضد الانكماش.

وكان أداء الذهب على مدى السنوات الست الماضية ضعيفاً جداً بالمقارنة مع معظم فئات الأصول الأخرى، لقد كان أداؤه أسوأ من أداء السندات الحكومية، والأسهم، والعقارات والنقد.

وفشل كمؤشر لارتفاع التضخم العالمي في الوقت الذي كانت البنوك المركزية حول العالم تعمل على طباعة كميات غير محدودة من الأموال.

ونحن نتوقع مواصلة الذهب لأدائه الضعيف واستمرار سعره في التراجع خلال الأشهر المقبلة، بينما نجحت الأسواق المالية العالمية بالصمود في وجه الأزمة في منطقة اليورو، والاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأخيراً التهديد الكوري الشمالي لجارتها الجنوبية وللولايات المتحدة.

إننا لا نرى أنه ينبغي للمستثمرين معاملة الذهب باعتباره فئة أخرى من الأصول، ولكن ربما كأداة تحوّط ضد الاضطرابات المالية العالمية.

لقد أوصى المحللون والمراقبون منذ بداية الأزمة المالية في عام 2007، ودعوا بشدة لمعاملة الذهب كفئة مستقلة من فئات الأصول.

إن هذه الدعوات تتناقض مع الوضع التاريخي للذهب الذي لطالما تم اعتباره من الناحية التاريخية مخزناً قيماً ضد التضخم، وينبغي التعامل معه على هذا النحو وليس على أي أساس آخر.

وإذا أراد مستثمر أن يمتلك ذهباً في محفظة تضم أنواعاً مختلفة من الأصول، فإن نصيحتنا له هي أن يحتفظ بأقل كمية مسموح بها، من دون إضافة أي عنصر من عناصر التكهنات إلى المحفظة.

إن التوقع الجيد الوحيد للاتجاه المستقبلي لسعر الذهب هو التضخم، وربما ينبغي على الأرجح أن تكون هذه هي الحجة الصحيحة للاستثمار في الذهب كأداة تحوّط مستقبلية ضد التضخم.

وعندما قام الاتحاد السوفياتي السابق بغزو واحتلال أفغانستان في عام 1980، وقامت الثورة الإسلامية في إيران وصل سعر الذهب إلى 800 دولار، ثمّ دخل مرحلة تصحيحية استمرت لعقدين من الزمن حتى وصل إلى ما دون 300 دولار في عام 2001.

وواصل معدل التضخم العالمي الانخفاض طوال تلك الفترة حتى وصل إلى نحو 4 في المئة مع نهاية التسعينيات، وترافقت عملية التصحيح في سعر الذهب مع انخفاض في التضخم العالمي ولكنها لم تحم المستثمرين من التضخم، وخسر هؤلاء 60 في المئة من قيمة هذا الذهب.

بإمكاننا القول إنه تمت معاملة الذهب تاريخياً بمثابة أداة تحوّط ضد التضخم، ولكن ليس خلال العقود القليلة الماضية، أمّا الدرس الذي على المستثمرين أخذه بعين الاعتبار فيتمثل في أن أسعار الذهب تميل للارتفاع عندما يتم اعتماد سياسات نقدية ميسّرة، وتتجه نحو الانخفاض عندما تتشدد الدول في هذه السياسات.

إن الارتفاع الأخير في سعر الذهب قد يكون مرتبطاً بالقرار الذي اتخذه مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي أخيراً برفع أسعار الفائدة والتوقعات المستقبلية برفعها أكثر، ولكن حتى هذا المؤشر قد يكون مضللا في مواجهة ضعف نمو الاقتصاد العالمي ومخاطر الركود.

لقد أظهرت دراسة حديثة أن تكلفة إنتاج أونصة واحدة من الذهب تصل إلى 760 دولاراً، وهو أقل بنسبة 65 في المئة من سعر الأونصة، وطالما بقي هذا الهامش المرتفع من الربحية فسيستمر حجم الإنتاج في الارتفاع، كما سيتواصل ضغط البيع أيضاً.

وهنا يجب على المستثمرين أن يدركوا أن كل الإنتاج العالمي من الذهب مازال موجوداً، وجاهزاً للبيع في أي وقت وفق سعر محدد وليس هناك ما يدعو للتمسك به، ويتمثل خوفنا الأكبر في أن يكون سعر الذهب قد بلغ ذروته بالفعل قبل سنوات قليلة وبدأ بالانحسار منذ ذلك الوقت.

وقد تكون عملية تصحيح الأسعار متأخرة، ويعتمد المدى الممكن الذي قد تصل إليه عملية التصحيح هذه على عاملي العرض والطلب، خصوصاً وأن المنتجين سعداء بالاستمرار في عملية الإنتاج طالما أنهم يحصلون على هامش ربح كبير. وهناك احتمال أن يبدأ هؤلاء المنتجون في اعتماد البيع الآجل من أجل الاستفادة من السعر المرتفع، كما أنّ الإنتاج المرتفع سيستمر نتيجة انتهاجهم لهذه الطريقة.

ونصيحتنا إذا كنتم تستثمرون في الذهب عليكم أن تفكّروا ملياً في حال كان سبب استثماركم فيه، هو القلق من وضع الاقتصاد العالمي والبيئة السياسية.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا