| بقلم حيدر توفيق |


رأي مالي / انكماش الأسعار يبقى الخطر الأكبر

  • 26 ديسمبر 2015 12:00 ص
  •  6
من الواضح جداً أن البنوك المركزية تخاف من مجرد الإشارة إلى كلمة الانكماش. انشغل المسؤولون في البنوك المركزية على مدى السنوات القليلة الماضية بالتحدث عن بقاء إمكانية التضخم على المدى الطويل على حالها، إلا أنهم كانوا مخطئين للغاية. وبقدر اعترافهم بأن التضخم ليس مشكلة، عليهم الإقرار بأن الانكماش لايزال يشكل تهديداً أكبر على الاقتصاد العالمي. لقد شهدنا على مدى السنوات القليلة الماضية تراجع معدل التضخم، وتشير كافة الدلائل حاليا إلى أننا لا نعرف ارتفاعاً مستداماً لهذا التضخم.

لقد قام مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، الذي يعتبر أقوى بنك مركزي في العالم، خلال الأسبوع الماضي برفع أسعار الفائدة في الوقت الذي يبقى فيه معدل التضخم دون المستوى المستهدف، الذي حدده المسؤولون في المجلس.

ومن المُفترض أن يؤدي الانخفاض الأخير الذي شهدته أسعار النفط والسلع إلى وضع حدٍ لأي خوف محتمل من التضخم خلال الأشهر المقبلة. لقد عرف العالم في أواخر عام 2008 في الوقت الذي كانت فيه الأزمة المالية في ذروتها، نقاشاً حاداً حول ما إذا كان التضخم أو الانكماش هو الذي يشكل الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي.

وفي الوقت الذي تعافى فيه الاقتصاد العالمي بشكل مطرد من الأزمة، استند المستثمرون على افتراض أن أولئك الذين كانوا يؤمنون بخطر التضخم في المستقبل كانوا على حق، أي أن الخطر الأكبر كان التضخم الجامح وليس انخفاض الأسعار. أما في الوقت الحالي، فإن المستثمرين يعيدون النظر بقلق في خطر التضخم.

من المهم جداً والضروري أن يكون المستثمرون على الجانب الصحيح في ما يتعلق بهذه القضية عند اتخاذ أي قرار استثماري، ذلك أن التضخم والانكماش يتطلبان تقريبا استجابات مختلفة تماماً من المستثمرين والبنوك المركزية والحكومات.

ويبقى من الصعب حل هذه المسألة بما أن للجانبين المتناقضين حججاً منطقية وسوابق تاريخية تدعم مواقفهما. تؤدي قرارات خفض أسعار الفائدة إلى الصفر وطباعة كميات غير محدودة من المال واللجوء إلى تمويل العجز نظرياً إلى التضخم، وهو الأمر الذي حدث في العديد من البلدان النامية.

لقد شهدت ألمانيا هذا الوضع خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما عاشته معظم البلدان الغربية في السبعينات من القرن الماضي خصوصاً خلال الأزمة النفطية.

لقد غرق العالم على مدى العقدين الماضيين في مشكلة ديون ضخمة، كما تسبب انفجار هذه المشكلة في موجة انكماش عالمية. تتوقع النظرية الاقتصادية أيضاً أن يؤدي استمرار مشكلة الديون إلى الانكماش، فعند اكتشاف المستهلكين والشركات والحكومات على حد سواء أنهم مثقلون بالديون، سوف يبدأون في العمل على سداد ديونهم، وهو ما سيؤدي إلى خفض الإنفاق وبالتالي تراجع الأسعار. كما يؤدي انخفاض الأسعار إلى تراجع الأنشطة الاقتصادية وهناك سوابق تاريخية لذلك في الولايات المتحدة في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، واليابان خلال فترة التسعينات. وقد تبع هذا التراجعَ انفجارٌ ضخم في فقاعات أسعار الأصول كما حدث في عام 2008.

يرى المراقبون والخبراء أن الحكومات قد بالغت في رد فعلها بناء على الدروس التي تعلمتها من هذه الكوارث، وقد أصبح التضخم أمرا لا مفر منه بسبب عمليات طباعة الأموال الضخمة التي تم اللجوء إليها. يستخدم أولئك الذين يساورهم القلق إزاء الانكماش مثال اليابان لدعم رأيهم، ويقولون ان اليابان خفضت أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر، لكنها لاتزال رغم ذلك محاصرة في حلقة مفرغة من الانكماش.

أما بالنسبة لنا، فيبقى سبب القلق الأكبر هو الاهتمام الضعيف بمسألة الانكماش، على الرغم من أن البعض، ومنهم البنك المركزي الأوروبي لايزال قلقاً. للأسف لم يعد مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي يأخذ الخطر الذي يشكله الانكماش على محمل الجد. وكان الاحتياطي الفدرالي الأميركي قد أعلن في تصريح سابق أن معدل التضخم الأساسي في الولايات المتحدة، باستثناء أسعار الوقود والمواد الغذائية، هو معدل متدنّ جداً يتجاوز نسبة 1 في المئة بشكل بسيط وهو دون المستوى المُستهدف الذي حدده المجلس.

لقد عاد مؤشر مكتب أبحاث السلع إلى المستوى الذي كان عليه في عام 2006، وذلك في الوقت الذي واصلت فيه معدلات البطالة التراجع خلال السنوات القليلة الماضية، وقد وصلت الآن إلى أكثر من 5 في المئة بقليل دون أن يؤدي ذلك الى أي ارتفاع في الأجور.

أما قطاع الإسكان في الولايات المتحدة، فيبدو أنه في طور التحسن إلا أنه لم يعد إلى أيام فقاعة أوائل الألفية الجديدة.

لقد تسببت أسواق الأصول نفسها في البيئة التضخمية التي شهدها العالم خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2008. عندما ترتفع أسعار السلع الأساسية يرتفع معدل التضخم معها.

وينبع أكبر دليل على التضخم مباشرة من قناعة المشاركين في السوق بأنه الخطر الأكبر، إذ كان من المفترض أن يؤدي الانهيار الأخير في أسعار النفط والسلع إلى انخفاض معدل التضخم، وربما انكماش في الأشهر المقبلة.

لقد علّمنا التاريخ أن أسعار الفائدة المنخفضة بشكل قياسي لوقت طويل تزيد من مخاطر التضخم الجامح في المدى الطويل. ولكننا نعتقد الآن أن الخطر الداهم هو الانكماش الذي تسبب فيه المعروض الكبير من النفط والسلع. وقد يدفع اتخاذ مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي قرارات جديدة برفع الفائدة بالاقتصاد العالمي إلى الركود مرة أخرى.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا