سعاد عبدالله في «كان في كل زمان»


«كان في كل زمان»... دراما جريئة تتوهَّج على الشاشة

يتواصل عرض أحداثه على تلفزيون «الراي»
النجمة سعاد عبدالله قادت الممثلين إلى مباراة للتميز الإبداعي أمام الكاميرا

هبة مشاري حمادة كتبت نصاً يجمع بين العمق والثراء والجرأة غير المعهودة

الصوت الجريح وشاهر ومشعل العروج صنعوا شارةً رائعةً أضافت إلى المسلسل

المخرجون أجادوا اكتشاف النص وتحويله إلى دراما تمزج بين التنوير والإمتاع
«كان في كل زمان» دراما مكثفة ذات مواصفات خاصة.

فالمتابعون للمسلسل لفت أنظارهم أن ما يرونه أمامهم على الشاشة يختلف كثيراً عما يرونه من مسلسلات أخرى، ليس فقط في الطرح الذي يبعث برسائل إنسانية تُشع في اتجاهات عدة، ولا في صياغة الأحداث المحبوكة بعناية وحرفية وإحكام من خلال قلم موهوب تمسك به المؤلفة المرموقة هبة مشاري حمادة، بل إن «كان في كل زمان» يشع بالجماليات الفنية، على صعيد الصورة وحركة الكاميرا، وقدرة المخرج على استخراج المعاني والرؤى المتضمنة في قصصه المتعددة، التي تحتاج من كل ممثل إلى التنقل بين شخصيات متباينة في مسلسل واحد... وقد بلغت حرفية وعمق النص المكتوب حد أن الممثل يكفيه أن يظهر في مشهد واحد حتى يطبع بصمته في وجدان وذاكرة المُشاهد بحضور لا يغيب!

أحداث المسلسل الثرية تنهمر كالأمواج التي تُخرج من طياتها أصدافاً متعددة الشكل واللون في كل اتجاه، لتعكس أن الحياة داخل «اللوكيشن» كانت تتسم بالإتقان والانضباط والتفاهم في وقت معاً، فالممثلون بقيادة النجمة الكبيرة سعاد عبدالله تميزوا في مباراة إثبات الذات التمثيلية بأدائهم الراقي أمام الكاميرا، أما الإخراج فقد ظهر أثره واضحاً في كل مشهد، بل في كل لقطة، بالتضافر مع الموسيقى التصويرية التي جسدها بأريحية وانسجام الموسيقار جمال القائد، بالإضافة إلى التتويج الرائع لصوت وطن النهار الفنان عبدالكريم عبدالقادر من خلال كلمات كتبها الشاعر ساهر ولحنها مشعل العروج ليقدما شارة سخية تليق بهذا العمل وتضيف إليه الكثير.

ولابد من التذكير بأن المسلسل يحتوي على مجموعة من القصص، وقد شاهدت منها «تهمة الله أكبر»، و«خيانة أغسطس»، في القصة الأولى والتي تحكي عن امرأة من عامة الناس تسافر مع زوج ابنتها وابنتها وأحفادها إلى إحدى الدول الأوروبية للسياحة، تتصرف بفطرتها وطيبتها التي تعودتها، وتتعرض للعديد من المواقف والصعوبات نتيجة هذه الفطرة سواء في المطارات نتيجة التفتيش، وحين حاولت أن تصلي في إحدى الحدائق وتكبر تكبيرة الإحرام للصلاة ألقي القبض عليها لأنها قالت الله أكبر!

عمق الحدث التي تناولته هذه القصة يجسد الصورة البشعة التي خلفها الإرهاب الذي يمارسه بعض المتطرفين للمسلمين، ليس هذا فحسب بل النظرة الدونية في العديد من البلدان الغربية نتيجة ما يشيع فيها من ظاهرة الإسلاموفوبيا، فهذه المرأة التي حاولت أن تنقذ شخصاً في المطار كاد يفارق الحياة نتيجة ضيق في الأوعية التنفسية وبادرت بسقيه الماء، بل وتنقذ هؤلاء المتطرفين وتدعو لهم بالهداية، تعرضت لتفتيش دقيق لأكثر من مرة في مطار الدولة التي ذهبت إليها ثم يقبض عليها بطريقة بشعة فقدت على اثرها أحد ضروسها نتيجة استخدام القوة معها، وإخضاعها للتحقيق واتهامها بأنها تنتمي إلى داعش، كل ذلك من شأنه أن يكشف للمشاهد إلى أين نقلنا التطرف والغلو باسم الدين، حيث من السهل أن يتم التعدي على حرية أي شخص بذريعة أنه مسلم، وما ذلك إلا نتيجة الأفعال التي ترتكب هنا وهناك ويقف خلفها قلة من المسلمين، ولعل الجميل في هذه القصة أن هبة مشاري حمادة لم تكتب عن أجواء داعش أو الحركات الإرهابية ولكنها تجاوزت ذلك في تناول الآثار والانعكاسات للمتطرفين بشكل عام.

«خيانة أغسطس»

في قصة «خيانة أغسطس» كانت الكاتبة أكثر جرأة وطرحت موضوعات اجتماعية في غاية الأهمية وربطتها مع مرحلة الغزو بشكل متوازٍ ومتناغم وأحيانا متناقض، وهي حافلة بشغف الأحداث الغزيرة، طبيبة النساء والولادة التي تحب عملها وبيتها وزوجها، وهي تتعامل مع بناتها (حيث لا تنجب بنين) بكل تحضر وعناية وحب، فهي متزوجة من رجل عصامي هادئ الطبع متحضر.

تتشابك الأحداث بزواج ابنتهما الكبرى شروق من «لافي» الشاب البدوي، بينما ابنتهما الوسطى حفصة تتبادل الحب مع حيدر، في حين أن رشا الصغرى تقع في غرام خالد ابن الجيران. وبينما تتأهب الأم الطبيبة لإجراء عملية ولادة قيصرية لامرأة شابة، كانت صدمتها شديدةً حين اكتشفت قبل أن تجري العملية أن المرأة التي ستخضع للعملية إنما هي زوجة ثانية لزوجها الذي تزوجها خفيةً للبحث عن شقيق ذكر لبناته، وفي الوقت ذاته يكتشف الأب قصة الحب المشتعلة بين ابنته حفصة وحيدر، ويذهب بنفسه إلى المستشفى الذي يعمل فيه الحبيبان، ويخبر الحبيب بأنه سينتظره أسبوعاً حتى يخبر أهله باعتزامه الزواج من حفصة، لكن حيدر يقر بأنه يريدها لكن أهله هم الذين يمانعون بإصرار، وهنا تقدم الكاتبة نماذج موجودة في المجتمع لم يسبق لأحد أن تطرق إليها، كما قدمت أيضاً صورة عن مأساة الغزو، وجهود المقاومة والفرحة بالتحرير بشكل مغاير وجديد، عارضةً مجموعة من المشاهد الملحمية تجلت فيها حالة الانصهار بين كل أبناء المجتمع في هذه المحنة، لتقول للجميع ما دام المصير واحداً والبيت واحدا، فلماذا يعامل بعضنا بعضاً بتحفظ من خلال السؤال عن الأصل والفصل، والمذهب والطائفة، وغير ذلك من الأمور التي تتناقض مع تماسك اللحمة الوطنية التي ظهرت إبان الغزو العراقي.

وبرغم الحالة التراجيدية التي قدمت خلال القصتين فإن هذا لم يمنع من الظهور جانباً من روح الدعابة والتي كانت تظهر بين الحين والآخر، بانتقال سلس لا يضعف المشاهد، مثلما حدث بين حمد أشكناني وشجون في «خيانة أغسطس».

يبقى أن سندريلا الشاشة الخليجية الفنانة سعاد عبدالله كانت أيقونة الأحداث في كل حلقات العمل وظهرت بحيوية رائعة، يسبقها إحساسها دائماً في كل التفاصيل، معطياً للشاشة وهجاً حقيقياً، وهو أمر يُحسب لها أن تقدم مسلسلاً بهذا الحجم يتضمن عدداً كبيراً من القصص والشخصيات التي تتطلب في كل قصة روحاً ومشاعر مختلفة، لكنها اعتادت أن تتحدى الصعاب من أجل أن تقدم لجمهورها ما يستحقه من إبداع.

حلاوة الدراما

في الختام يبدو أن مسلسل «كان في كل زمان» هو من الأعمال التي كان العقل في حاجة إليها، ليسترجع حلاوة الدراما ومتعة المشاهدة، فنحن أمام نص مكتوب بحرفية شديدة جداً في كل تفاصيله، لاسيما البناء الدرامي الذي يعتمد على الجرأة في الطرح من دون خوف أو قلق، الأمر الأهم في نص هبة مشاري حمادة هو العمق والقوة والتكثيف للأحداث، إذ ما أحوجنا إلى هذه العناصر في هذا الزمن في ظل ما يعانيه المشاهدون من الملل نتيجة تكرار الأحداث في معظم الأعمال الدرامية من طلاق وزواج ومشاهد المستشفى والمخفر، حيث يشعر المشاهد في «كان في كل زمان» بأن كل حلقة تحتوي من الأحداث ما يكفي لصناعة 15 حلقة من بعض الأعمال الأخرى المصبوغة بالتكرار والتطويل.

وفضلاً عن التنويع الذي طرحه المسلسل والمفعم بالتفاصيل، جاء أيضاً في توقيت مهم جداً في ظل انشغال الكبار والصغار والشباب بالهاتف النقال، وما ينقله إليهم من أحداث، ولذلك استطاع «كان في كل زمان» أن يكون أكثر تأثيراً مما يقدمه الهاتف من ترفيه وألعاب وإثارة.

وفي الختام لابد من الإشادة بكل من المخرجين سائد الهواري وسيف شيخ نجيب ومحمد القفاص وعيسى دياب، والمساعدين شرويت عادل ومحمود عبدالرحمن.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا