د. محمد حسان الطيان


من رجالات دمشق / الشيخ شعيب الأرنؤوط عـقـلٌ حـرّ... وعطاءٌ مستمرّ «1 من 2»

  • 11 ديسمبر 2008 12:00 ص
  •  25
| د. محمد حسان الطيان |
من جميل. صُنع. الله بي أن سَنَّى لي صحبةَ العلاّمة الجليل والمحدّ.ث المحقق الثبْت الشيخ شعيب الأرنؤوط (أبو أسامة)، أمتع الله به وزاد من نفعه، فكان نعم المعلّ.م والمرشد، وجدت لديه ما افتقدته عند غيره، اذ صحَّح لي أوهاماً كنت أظنها حقائق، وفتح لي مغاليق كنت في غفلة عنها، ودلني على مفاهيم كنت أبعد الناس عنها، وأخذ بيدي الى طريق البحث والتحقيق وأنا بعدُ ريّ.ضٌ غضٌّ طريٌّ لم يصلُب لي عودٌ ولم يستحص.دْ لي أمرٌ.
ولو رحتُ أذكر فضائل الشيخ ومناقبه ومآثره لما وسعتني الصفحات ذوات العدد، ولكن حسبي من ذلك كله أن أومئ الى خَلَّتين اثنتين فيه بلوتهما بنفسي وخبرتهما بتجربتي.
أما الأولى فهي سعةُ العلم وتنوّع موارد.ه، فهو الى جانب تخصّصه في علوم الحديث النبوي الشريف روايةً ودرايةً فقيهٌ أصوليّ ومفسّر لغوي، يروعُكَ فيه تـمكُّنُه من لغة العرب وحفظُهُ الكثيرَ من شواهدها، وروايته الطريفَ من أخبارها بل ح.ذَقُهُ العويصَ من مسائلها ومشكلاتها.
ولقد كان من سوالف الأقضية أن خصَّني وبعضَ الصحب بمجلسين اثنين كنا نقرأ عليه في أولهما تفسير النسفي، ونقرأ في الآخر فقه السنة لسيد سابق، وفي هذين المجلسين تكشَّفت لنا شخصيّة الشيخ العلمية وسعة اطلاعه على نحوٍ لم نعرفْهُ أو نعهدْهُ عند غيره ممن عرفنا، فالرجل أستاذٌ مُفْتَنٌّ جمع أصنافَ المعارف وحوى أفانينَ العلوم، ولم يصرفْهُ ذلك كله عن تحضير الدرس الذي سيقرأ، وجَمْع. كلّ. ما من شأنه ايضاحُ عبارة الكتاب واغناؤها، ولا تزال نسختي من هذين الكتابين تذخر بالفوائد والفرائد التي التقطتها من ف.لْق. في الشيخ حفظه الله، وان تعجبْ فعجبٌ أن حواشي تلك الكتب لم تكن تتّسع لكل ما كان الشيخ يُتحفنا به من جليل النقول ونفيس النصوص فكنا نكتب بعض ذلك في قصاصاتٍ نلحقها بالمواضع المتعلقة بها من التفسير أو الفقه، وهو الى هذا كله لا يُغفل التنبيه على كلام المصنف نفس.ه ان اقتضى الأمر ذلك.
وأما الخَلَّةُ الثانية فهي بناء الرجال
يبني الرجالَ وغيرُه يبني القرى
شتَّانَ بين قرى وبين رجال.
لم يكن الشيخ حرس الله مهجته يكتفي بما يلقّ.ننا من علم، وانما كان يرمي الى بناء شخصيتنا العلمية، اذ زرع فينا أول ما زرع التفكير الحرَّ المستقلَّ وعدَم التبعيّة لأحد، وكرَّهَ الينا الطاعة العمياء التي تورث الذُّلَّ وتُخْم.لُ التفكير وتُميتُ الابداع وتُعطّ.ل العقل، وكانت عبارته التي ما فتئ يردّ.دُها على مسام.عنا: «لا تب.عْ عقلَكَ لأحد». ومن ثمَّ فقد نمَّى فينا معشر تلامذته تحمُّل المسؤولية وحملَ الأمانة التي أعجزت. السماوات. والأرضَ والجبالَ فأبيْنَ أن يحملْنَها وأشفَقْن منها وحَمَلَها الانسانُ...
وكانت أولى خطوات. هذا التحميل أن وجّهنا الى تحقيق أمَّات الكتب كسرّ. صناعة الاعراب لابن جنّي، والدرّ المصون للسمين الحلبي، ولا تسل عن دهشة أستاذنا العلامة أحمد راتب النفاخ رحمه الله حين أخبره في أثناء زيارتنا المعتادة له من كل يوم ثلاثاء بأن يحيى وحسان يعتزمان النهوض بتحقيق سر الصناعة ذلك الكتاب الذي تَقَطَّعَتْ دونه أعناقُ الرجال. وكان قد طلب مخطوط الكتاب فعلاً من مستودع المكتبة الظاهرية ودفعه الينا في صباح ذلك اليوم من أيام الثلاثاء التي كنا ننعم فيها بصحبة الشيخ في قاعة الباحثين بالمكتبة الظاهرية, وغالباً ما كانت تنتهي بنزهة الى الربوة أو عين الفيجة فما أحلاها من أيام!.
وقد تحوّل هذا التشجيع والتوجيه الى واقع علمي حين دفعَ الينا بالجزء الأول من موسوعة الذهبي «سير أعلام النبلاء» التي لم تكن لترى النور لولاه، ومضينا نخطو الخطوات الأولى في عالم التحقيق، ننسخ ثم نقابل مع الشيخ، وهو في أثناء ذلك يعلّ.منا ويرشدنا ويُلقّ.نُنا أصول هذا الفن بملاحظات عملية سرعان ما تتحول الى واقع علمي، وما هي الا مدّة وجيزة حتى كنت ترى جيلاً جديداً من المحققين الشباب تَخَرَّجوا بالشيخ ونبُهوا به، أذكر منهم: الشيخ نعيم العرقسوسي والدكتور يحيى مير علم والأستاذ ابراهيم الزيبق والدكتور علي أبو زيد والأستاذ مأمون الصاغرجي وغيرهم ممّن صاروا ملء السمع والبصر.
ولئن تناول بعض أساتذتنا عمل الشيخ هذا بالنقد والتعقّب لقد استبان اليوم مقدارُ صوابه وبُعدُ نظره بعد أن استوى كلٌّ من هؤلاء المحققين على سوقه، ورأيتَهم ينهضون بتحقيق كبريات كتب التراث في شتّى أنواع العلوم الشرعية والأدبية واللغوية والتاريخية.
وحاشى لله أن يكون الشيخ على خطأ؛ ذلك لأنه لم يدع واحداً منهم يحطب على هواه، وانما ظل يأخذ بيده حتى بلغ أشدَّه، واستوى محقّقاً اكتملت لديه أدوات التحقيق:
انّ الهلالَ اذا رأيتَ نموَّه
أيقنتَ أن سيكون بدراً كاملاً
* رئيس مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة، عضو مجمع اللغة العربية بدمشق

مستندات لها علاقة

الصور

  • شارك


اقرأ أيضا