المناضل الليبي عمر المختار


بورحيل... مجاهد ليبي أحب وطنه فنال الشهادة

الرجل الثاني في حياة العظماء والمشاهير (4) / قاد المقاومة بعد استشهاد أسد الصحراء حتى سقط في الميدان (2 من 2)
  • 22 أغسطس 2010 12:00 ص
  •  27
| القاهرة من محمد عبدالفتاح |

في تاريخ كل أمة رجال عظماء قادوا النضال والكفاح في سبيل تحرير أوطانهم والوصول بها إلى بر الأمان... واستطاعوا بما لديهم من قدرات خاصة وموهبة في القيادة وشجاعة وإقدام أن يحققوا أهداف وطموحات شعوبهم، وأيضا نجوم ومشاهير قدموا الكثير وحفروا أسماءهم في ذاكرة الناس وصفحات التاريخ كل في مجاله، فنالوا كل تكريم واحترام وحفظهم التاريخ في ذاكرته.

وفي حياة كل عظيم «رجل ثان» كان معه يشد من أذره ويسانده ويدعمه ويقف بجواره في أصعب المواقف وأحرج اللحظات وكان له بمثابة الذراع اليمنى... ومن هؤلاء من اكتفى بهذا الدور وارتضى أن يظل دائما في الظل وربما ينساه التاريخ، ومنهم من أراد أن يحقق ذاته هو الآخر وأن يقفز إلى مكانة الرجل الأول ووصل بعضهم بالفعل إلى هذه المكانة، ولكنهم احتفظوا بولائهم واحترامهم لزعمائهم، وساروا على دربهم وأكملوا مسيرتهم... ومنهم من ضعف إيمانه وانساق وراء شيطانه وانقلب على زعيمه فقتله أو عزله واحتل مكانه ليحقق ذاته أو عن اقتناع منه بأنه هو السبب في كل ما تحقق من إنجازات، ومن ثم يرى نفسه الأحق باحتلال الصدارة.

«الراي» في سلسلة حلقات «الرجل الثاني في حياة العظماء والمشاهير... رجل ثان» تلقي الضوء على حياة هؤلاء الرجال وكيف كانوا سببا في ما وصل إليه بعض العظماء من مجد وشهرة بفضل مساندتهم المخلصة لهم. وكيف تحول بعضهم إلى عظماء هم أيضا وصنعوا لأنفسهم تاريخا لا يقل عن تاريخ العظماء الذين اتبعوهم في بداية حياتهم .

كما ترصد في دقة تفاصيل العلاقة التي تجمع بين الاثنين من البداية وحتى النهاية، وتستعرض مسيرة الرجل الثاني منذ ولادته، وكيف تعرف على الرجل الأول أو زعيمه، والاسباب التي دفعته للانضمام إليه ومرافقته كفاحه الطويل ، وبعض المواقف التي برز دوره فيها بوضوح.

وخلال «15» حلقة نتناول عددا من الشخصيات المؤثرة في التاريخ سواء في أوطانهم أو على المستوى العالمي... منهم الساسة والقادة العسكريون ورجال الفكر والأدب.

كذلك تعرض الحلقات لبعض قصص النجاح في الوسط الفني التي كان الرجل الثاني فيها سببا مباشرا في سطوع نجم الفنان وبلوغه قمة المجد والشهرة.



... وقد شارك بورحيل في معظم المعارك التي قادها عمر المختار، وكان الذراع اليمنى له وشريكه في خطط الحرب ورجل أمنه في المفاوضات وعقله الراجح في منازعات القبائل... وقال عنه شيخ الشهداء «لا يوجد عمر المختار بلا يوسف بورحيل»... وبعد استشهاد الفضيل بوعمر «الذراع اليسرى للمختار»، تولى بورحيل كتابة مراسلات أسد الصحراء، بل اعتمد عليه في جميع الأمور حتى أن القائد الايطالي «غراسياني» أطلق عليه لقب قائم بأعمال القائد. وقاد بورحيل أكبر المعارك

في العام1923 وهي معركة «جردس» وألحق بالغزاة الطليان هزيمة نكراء، وغنم منهم غنائم كبيرة.

وظل بورحيل يخطط ويهاجم الغزاة تحت إمرة وقيادة عمر المختار حتى العام 1931... وفي هذا العام المشؤوم سقط القائد والمناضل العظيم عمر المختار في أيدي الغزاة المعتدين، وأحالوه إلى محاكمة هزلية انتهت بإصدار حكم بإعدامه أمام أهله وذويه لإلقاء الفزع والرعب في نفوس المقاومين.

وبالفعل كان إعدام شيخ الشهداء عمر المختار، خسارة فادحة على حركة الجهاد الليبي، وذلك لأن الفراغ الذي تركه كان مهولا، لأنه لا يوجد من يملأ فراغ قائد بحجم أسد الصحراء، فحينما غاب ترك العامل النفسي أثره السلبي على المجاهدين إلى جانب الوضع العسكري على الأرض، حيث قطعت الإمدادات عن حركة الجهاد، وتأثرت بانهيار الأدوار العسكرية التي اعتمدت على تمويل القبائل بالسلاح والغذاء.

غير أن المجاهدين سرعان ما تجاوزوا الصدمة وازدادوا تصميما على استمرار حركة الجهاد حتى تحرير أراضيهم، وبدأ التفكير في اختيار قائد جديد للجهاد خلفا للراحل العظيم عمر المختار، وبالطبع لا يوجد من هو أحق بهذه المهمة من يوسف بورحيل، فأجمع معظم قادة الأدوار والمجاهدين على اختياره قائدا للجهاد، وكلف المجاهد أحمد الشريف السنوسي بورحيل لقيادة حركة الجهاد رسميا.

وقال في رسالته بهذا الشأن: «هذا التعيين ليس منا لكنه بناء على توجيهات عمر المختار في وصيته عن الجهاد»... وهذا يدل على مدى ثقة عمر المختار باستمرار حركة المقاومة تحت قيادة بورحيل، كما أرسل أحمد الشريف رسالة شخصية إلى بورحيل وأوصاه فيها بتقوى الله في السر والعلن والصبر والجد والإخلاص في العمل لله ورسوله والوطن والمسلمين، والاستمرار في الجهاد على نهج عمر المختار، فتسلم بورحيل حركة الجهاد قائدا جديدا يتحمل أصعب مسؤولية عرفها في حياته ولم يتأخر، بل انتهج خط رفيقه وقائده في المقاومة الوطنية.

وقام بعدة إجراءات في محاولة منه للحفاظ على حركة الجهاد ضد الإيطاليين واستمرارها، فكلف المجاهد عبدالحميد العبار... بالاستطلاع في المنطقة الشرقية من أجل حث الأهالي على الالتحاق بقوات المجاهدين وحمل السلاح لمقاومة القوات الإيطالية والجهاد في سبيل الله والوطن.

وفي الوقت نفسه وجه مراسلات عدة إلى بعض المهاجرين الليبيين بمصر وبعض العناصر الوطنية المصرية يطلب منهم المساعدة المالية والعسكرية، ولكن الواقع على الأرض أصبح شيئا آخر، وتغيرت طبيعة المعركة، فقد وجد الغزاة حليفا عاتيا لهم وهو الجوع الذي كان موتا يهدد المجاهدين، وكذلك انتشار الأمراض والفقر بكثرة، وكان الرجال يتأرجحون من شدة الجوع والمرض- حسب روايات المجاهدين.

بعد مرور 4 أشهر على استشهاد عمر المختار وتسلم بورحيل قيادة المجاهدين، لم يتوقف خلالها القتال يوما واحدا على الرغم من الحصار ونقص الإمدادات الغذائية والحربية التي كانت تمر عبر الحدود المصرية التي أغلقها الغزاة الطليان إما بالأسلاك الشائكة وإما الحراسة المشددة، كما أن المعتقلات الجماعية

التي أقامها الغزاة أحكمت

القبض على الأهالي الذين كانوا يمدون المجاهدين بالتموين والمعلومات عن تحركات وأماكن العدو.

وشعر بورحيل بهذا الواقع الصعب... وأنه تسلم مهاما صعبة جدا في ظروف غير ملائمة، ورأى بعينه رجاله بلا سلاح ولا ذخيرة ولا طعام، ومنهم من أصبح غير قادر على حمل السلاح من شدة الإنهاك الجسدي، وأيقن أن نهاية الجهاد قد دنت وأصبحت واضحة، وأن شرف الخروج من هذه المحنة أصبح شيئا حتميا لكنه خروج دون تنازلات ولا خنوع ولو كان الثمن الموت.

لهذا عقد بورحيل اجتماعا بالمجاهدين وقادة الأدوار العسكرية وقال لهم: «لقد هاجر أحباب من قبل وهم موزعون على السودان ومصر ومناطق أخرى، وقد قمنا بما يحتمه الواجب المقدس وواجب الوطن العزيز ولم يسبق اليوم جهد للنضال، وإيطاليا تطالبنا بالاستسلام وإلقاء سلاحنا وهذا معناه العار والذل»، وفي الاجتماع نفسه طالبهم بإعداد خطة محكمة لمهاجمة الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية والخروج نحو منطقة السلوم، ومنها إلى مصر حتى يصبح هناك تجمع خارج الوطن

لحركة الجهاد في ظل ظروف أحسن من التواجد في الداخل، حتى لا يتم القضاء نهائيا على الحركة.

وكانت الخطة تقتضي تقسيم المجاهدين إلى 4 مجموعات وكانت أكبر مجموعة قادها المجاهد عبدالحميد العبار والمجاهد آدم المنصوري، وبلغ عددها نحو 74 مجاهدا، وتمكنت هذه المجموعة من عبور الأسلاك والحراسة الإيطالية المشددة واتجهت إلى منطقة السلوم، أما المجموعة التي قادها بورحيل فقد اصطدمت بدورية إيطالية كبيرة بقيادة الملازم الإيطالي «برنديسي»، ما اضطرهم للعودة داخل الحدود ونشبت معركة على الحدود بين الطرفين في 19 ديسمبر 1931، قرب زاوية «أم ركبة» التي تقع شرق مدينة طبرق بمسافة 125 كيلومترا، ولكن الدورية الإيطالية أحاطت بالمجموعة المكونة من يوسف بورحيل و3 من رفاقه فاضطروا إلى ترك خيولهم وتحصنوا بإحدى المغارات وصمدوا وقاتلوا حتى استشهدوا جميعا، وجاء البلاغ الإيطالي الصادر في أول فبراير من العام 1932، «عندما انتهى إطلاق النار مع مجموعة من الثوار حاولت اقتحام الحدود المصرية، تقدم نحوهم الملازم برنديسي فوجد 4 جثث لم تزل بنادقهم حامية في قبضة أيديهم وكان أحدهم يوسف بورحيل، وقد أظهر مع رفاقه الثلاثة بسالة حتى آخر دقيقة في حياتهم».

وبهذا استشهد يوسف بورحيل المسماري داخل حدود وطنه، وكان حلمه قد تحقق عندما قال لأصحابه وهم متجهون نحو الحدود المصرية: «أما أنتم يا إخواني فشباب، لكم في مصر أسر، ولكم في العمر براح، أما أنا فقد جاوزت الخامسة والستين ولا أرى أن هناك مدفنا يليق بي خارج هذا الوطن وفي غير هذا الميدان».

ولم يكتف الغزاة الطليان على عادتهم بقتل يوسف بورحيل ورفاقه، بل تم التمثيل بجثثهم آنذاك وقطع رأس يوسف بورحيل بالقرب من زاوية أم ركبة، ونقل رأسه في علبة صفيح إلى البردي للتعرف عليه، ثم نقل رأسه إلى معتقل بنينة لعرضه على الأهالي المحتجزين داخل المعتقل، وذلك للحط من معنوياتهم وإجبارهم على الاستسلام التام للغزاة الطليان.

كان يوسف بورحيل مثله مثل قائده عمر المختار، فلم تلمس أيديهم الطاهرة أي مبالغ نقدية من الغزاة للتفريط في شبر واحد من وطنهم وفضلوا الاستشهاد من دون أن تمس أيديهم أيدي الغزاة والعملاء الذين تلطخت أيديهم بدماء الأهالي، وكانت هذه نهاية الرجال الأبطال الذين دخلوا التاريخ الليبي من أوسع أبوابه وقدموا الدم والفداء من أجل وطنهم.

وبوفاة المجاهد يوسف بورحيل المسماري أصدر الحاكم الإيطالي «بادليو» بيانا في 24 يناير 1932، أعلن فيه انتهاء العمليات العسكرية في المنطقة الشرقية وقضاءه على حركة الجهاد في ليبيا بشكل كامل.

وجاء البيان كالتالي: «إن العصيان في برقة قد قضي عليه نهائيا... وللمرة الأولى

بعد عشرين سنة من النزول على هذه الأراضي تم احتلال المستعمرتين بكاملهما وأعيد إليهما السلام».

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا