سمير حبشي


«دخان بلا نار» حدث سينمائي لبناني أنتج مع مصر وواكبه جدال سياسي وفني مكثف

اختتم الدورة 15 من مهرجان السينما الأوروبية في بيروت والشاشات اللبنانية استقبلته مع أول أيام الأضحى
  • 12 ديسمبر 2008 12:00 ص
  •  11
| بيروت - من محمد حسن حجازي |
فيلم لبناني من انتاج مشترك لبناني - مصري بين شركة افلام مصر العالمية (يوسف شاهين وشركاه) وسانيلاند فيلم (محمد ياسين) عرضته الدورة 15 من مهرجان السينما الاوروبية في بيروت في ختام عروضها التي شملت 32 فيلماً اوروبياً و18 شريطاً قصيراً من سبع جامعات.
دخان بلا نار.
فيلم قاسٍ، ما بين ميت مرتاح وحي يموت كل لحظة، ووسط حالة من انعدام التوازن تعيشها الشخصيات حيث تأكد من خلال معظم المشاهد ان هناك شبحاً امنياً مخابراتياً خفياً غالباً وظاهراً احياناً يهيمن على الحياة في لبنان طوال الفترة التي يعطي الفيلم احداثها بحيث بدت الصورة هنا واضحة جلية وفي الوقت نفسه حقيقية جداً تؤشر على واقع يعرفه اللبنانيون عن ظهر قلب.
المواكب سواء كانت للسفارة الاميركية او لأي شخصية غربية او عربية او محلية كانت تشكل مشكلة في الشارع، لكثرة المسلحين في الموكب والجاهزين لرمي النار في اي اتجاه يلمسون ان فيه جانباً من خطر عليهم وهو ما يحصل في الفيلم حين يحاول المخرج خالد الحداد (خالد النبوي) التقاط صورة لموكب السفير الاميركي فيجري اطلاق النار باتجاهه فيصاب مواطن شاب (علي مطر) كان ترك عائلته في القرية ونزل الى عمله في المدينة.
ويتلمس الفيلم الناحية العشائرية في تفكير اهل القرى لجهة ان مصرعه تم على يد احد من اخصامهم من عائلة اخرى او من طرف آخر لثأر ما سابق بين الطرفين، وكادت ان تحصل مجزرة تبادل الثأر والثأر المضاد عن غير وجه حق، وتبلغ المنتقمون ان الجريمة لم يرتكبها احد من اهل القرية اطلاقاً، لكن هذا لم يمنع اهل المغدور من ان يكمنوا لموكب السفير الاميركي وامطاره بالنار خلال مروره على الطريق باتجاه قرية المغدور، وصودف ان الموكب كان تمويهاً ولم يكن السفير في احدى سياراته، لأن احد وجهاء المنطقة السيد بطرس (رفعت طربيه) تحدث الى احد مسؤولي السفارة (جوزيف بو نصار) وأصرّ على ان يجيء السفير بنفسه لتقديم التعزية.
أصحاب الفيلم قدموا عملهم كالتالي:
«علم اميركي صغير يرفرف في مقدمة موكب، مؤلف من خمس سيارات جيب متشابهة اللون والطراز، يمر جامحاً في المدينة، يلتفت المواكبون من نوافذ السيارات حذرين شاهرين اسلحتهم الرشاشة، يصرخ احدهم من مكبر صوت: (عاليمين عاليمين). يأمر سيارات المارة بفتح الطريق، تفرمل السيارات بارتباك، يسود الهلع، كاميرا تلتقط المشهد، انها كاميرا خالد الحداد.
هكذا تبدأ القصة. خالد سينمائي مصري شاب يعيش في بيروت في مرحلة اعادة الاعمار بعد سنوات الحرب الطويلة. مصمم على اخراج فيلم سينمائي عن القمع في العالم العربي، يتجول مع كاميراه في بيروت مصوراً رؤيته للمدينة، مراقباً تفاصيل الحياة يقابل اناساً في الشارع، سرعان ما يتحولون الى شخصيات في السيناريو الذي يضعه.
لكن مع تقدم خالد شيئاً فشيئاً في كتابة السيناريو تتشابك الشخصيات والمواقف وتمتزج السينما والمخيلة والواقع، يغدو خالد اسير السيناريو الذي يكتبه، محكوماً بتحمل اقدار شخصياته».
طبعاً هذا تقديم مختصر جداً لما هو عليه الشريط الذي اتهم بأنه يؤشر على سورية ودورها في حقبة وجودها الواسع والفاعل في لبنان على مدى ثلاثين عاماً، واعتبرت كل المشاهد التي تناولت حالات التعذيب، والقهر والاساءة صادرة عن اجهزة تابعة لهم، فيما رأى فيه طرف آخر ادانة للسياسة الاميركية سواء في لبنان او في المنطقة.
وقد عرض الفيلم في مهرجانات ابو ظبي، لندن، وقرطاج (تونس)، حيث عرف اهتماماً نقدياً ارتكز على الاستنتاجات السياسية الآنفة، وفضولاً جماهيرياً دفع بالجموع الغفيرة للضغط على الصالات في كل مكان ما دفع الى برمجة عروض اضافية له، والمكان الوحيد الذي رفض فيه هو القاهرة حيث قاد الزميل رفيق الصبان حملة لمنعه انطلاقاً من فكرة ان مهرجان القاهرة تشرف عليه وزارة الثقافة، وبالتالي فهو رسمي وطالما ان الفيلم، من وجهة نظره، يسيء الى الدور السوري في لبنان من دون ان يسميه، فالأفضل منعه، لكن هذا لم يسر على الرقابة المصرية التي يشرف عليها الزميل علي ابو شادي، والتي اعطت تصريحاً بالعرض الجماهيري في صالات عدة، ولم نعرف اذا كانت الرقابة اقتطفت منه مشهداً او اكثر.
تزين الفيلم سيرين عبد النور، بجمال خاص جداً رغم حضورها كضيفة شرف كرمى لفيلم لبناني، وللمخرج حبشي الذي واكب مسيرة سيرين التلفزيونية وقدمها في عدد من الاعمال المميزة، في وقت نراها بدءاً من اول ايام عيد الأضحى المبارك على الشاشات المصرية في فيلمين الاول مع النجم العالمي عمر الشريف في «المسافر»، والثاني مع محمد هنيدي في «ابو العلمين» وهناك مشاريع اخرى قيد الدرس لاعطاء الرأي فيها والموافقة او الاعتذار بين بيروت والقاهرة. خالد النبوي يقوم بدوره في الاطار المرسوم وهي حالة نادرة في افلامنا اللبنانية المعاصرة ان تتم الاستعانة بفنان مصري، وتكون لـ خالد في الاحداث علاقات غرامية (دياموند بو عبود) واجتماعية (مع محمود مبسوط فهمان) وصداقة (مع رودني الحداد كحالة من حالات التعرض للتعذيب).
شريط متماسك، عميق، يذهب الى البعيد في رسم صورة الواقع الذي عاشه لبنان في فترة غير بعيدة من يوميات البلد، حيث اكتشفنا مدير تصوير رائعا هو ايف صحناوي، وموهبة كبيرة في الموسيقى التصويرية مع الدكتور جمال ابو الحسن، الذي تخصص في هذا المجال في الولايات المتحدة حيث عاش طويلاً وعندما عاد لم يقدم تجربة في هذا الاطار واكتفى بتقديم عروض موسيقية مرئية وسمعية متميزة.
«انا مرتاح جداً، وأعتبر ان الصخب وردات الفعل المختلفة على الفيلم وضعتني في المكان الذي يرغب فيه اي فنان اي ألا يمر العمل الفني من دون ان يترك اثراً عميقاً في النفوس، وان يثير اذا اردت اسئلة كثيرة، من حق السينمائي ان يطرحها لأن هذا هو واجبه في مهنته».
هذا الكلام للمخرج حبشي الذي سألناه عن مدى تأثير ردات الفعل على فيلمه. وأضاف:
- أريد هنا التأكيد على ان الافلام هي مرآة العصر، والمجتمع، ولا تستطيع ان تكون هامشية او غائبة عن الواقع بهذه الصورة غير المقبولة، بل على العمل السينمائي ان يلتقط من مشهدية الواقع ما يخدم تصوره ورؤيته.
• وهل يتخذ موقفاً؟
- المخرج فنان وليس سياسياً. وهو اراد ام رفض يميل الى الناس اكثر من السياسيين. لكن هذا لا يعني ان فيلمي سياسي، دخان بلا نار صورة عن لبنان في حقبة محددة. لها ما مهّد لها، ولها ما جاء بعدها.
• ما الذي تنتظره من ردة فعل اللبنانيين على عملك؟
- الذي اعرفه ان اللبنانيين هم اكثر الناس فهماً وقبولاً للفيلم، لأن احداثه نابعة من يومياتهم، يعني ان اقدم صوراً يعرفونها جيداً، لم اخترع شيئاً. لكن يبقى لي مجال التصور والحلم والتأمل والخروج بنتيجة ما.
• انتاج مشترك لبناني - مصري. يبدو ان امكانية النجاح جيدة؟
- طبعاً، لان النوايا الفنية الطيبة قادرة على صنع ما هو اهم من الشعارات التي ما عاد احد يصدقها، نريد ان نترجم ما نعلنه ميدانياً. فاذا عدنا ادراجنا الى سنوات طويلة ماضية نلاحظ اننا قلنا الكثير الكثير، ولم نفعل شيئاً. علينا ان نكون معاً لأن هذا قدرنا.
• وكيف تنظر الى الاستنتاجات حول توجه الفيلم؟
- عندما يخرج الفيلم الى الناس يصبح ملكهم وبدءاً من ليل 7 ديسمبر 2008 اصبح دخان بلا نار ملك الناس وانا راضٍ بالحكم اياً كان، وان كنت ضامناً ان المشاهد اللبناني سينصف الفيلم اكثر من اي مشاهد آخر لأنني اتحدث عنه، وعن حياته.
وحين التقينا بـ سيرين خلال عرض خاص سبق عرض ختام مهرجان السينما الاوروبية كانت عائدة للتو من القاهرة، حيث وضعتنا في صورة احترامها للمخرج حبشي ودعمها لهذه التجربة اللبنانية. وقالت: «ليس مهماً كم بقيت على الشاشة، المهم ماذا فعلت، والأهم كان ان نتكاتف وندعم الفيلم اللبناني اياً كان».
• وماذا عن آخر افلامك مع الفنان هنيدي؟
- بات في عهدة الناس، لكن الاجواء كانت رائعة بكل المقاييس ولا اريد استباق اي شيء قبل ان تشاهدوه.
• هل من عروض سينمائية جديدة؟
- نعم، كثيرة جداً، وانا اختار حالياً الافضل. الموضوع بات يحتاج دراسة اعمق واهدأ.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا