وداد حمدي... ضحية «ريجسير» قاتل / 8

المشهد الأخير
  • 08 سبتمبر 2008 12:00 ص
  •  4
| القاهرة - من حنان عبدالهادي |
إذا كانت الأفلام المصرية... اشتهرت في خمسينات وستينات القرن الماضي، بالنهايات السعيدة... كانتصار قوى الخير على الشر، أو التقاء الحبيبين، بعدما ظنا كل الظن ألا تلاقيا، وزفافهما بين الأهل والأحباب والأصحاب... فإن المشهد الأخير في حياة عدد غير قليل من الفنانين والمشاهير المصريين والعرب كثيرا ما بدا مأساويا مؤلما مفعما بالحزن.
ففي لحظة فارقة... تنطفئ أضواء النجومية، ويضعف الجسد الذي كان يوما ممشوقا يصول ويجول أمام الكاميرات، ويقدم أصعب الأدوار وأعنفها.
في لحظة فارقة... تكتفي الحياة بما قدمته لفنان ما، وتقول له «يكفيك هذا... لقد حانت نهايتك»... وشتان بين إقبال الحياة وإدبارها وتبسمها وسخريتها، وعطفها وقسوتها، وفارق كبير... بين أن تربت على كتفيك وتفيض عليك بحنانها، وبين أن تركلك بأرجلها، كما يركل اللاعب الكرة.
كم كان مؤلما... المشهد الأخير في حياة فنانين أثروا الشاشتين الصغيرة والكبيرة بأعمال مميزة، لاتزال باقية في الذاكرة، أو مطربين ومطربات أثروا وجداننا ببديع أصواتهم، أو نجوم ومشاهير في مجالات أخرى... كان لهم حضور قوي... وتأثير واسع، سرعان ما ينهار ويندثر.
فبينما كان النجم أحمد زكي يواصل تألقه وإبداعه الفني، باعتباره «حالة فنية مختلفة»... أوقفه المرض الخبيث، وأخفى حالة من الحزن في الوسط الفني، لم تنته بعد، وبالرغم من مرور نحو 4 أعوام على وفاته، ويشبهه شكلا ومصيرا عبد الله محمود الذي قتله السرطان في ريعان شبابه.
كما جاءت نهاية ممثلة بسيطة وطيبة القلب مثل وداد حمدي مؤلمة... عندما غدر بها «ريجسير»، وقتلها في شقتها، من دون أن تقترف في حقه إثما، وفي أوج تألقها... أمطر رجل الأعمال المصري أيمن السويدي زوجته المطربة التونسية ذكرى بـ «21» طلقة، لتقضي نحبها في الحال.
وهكذا تتعدد النهايات الحزينة لفنانين ومشاهير... طالما أمتعونا وأسعدونا، وطالما عاشوا عقودا من الشهرة والأضواء والثراء... ولكن الأقدار... التي يصرفها البارئ... كيف يشاء... وفي السطور التالية... نهايات مع الفقر والحاجة والمرض والنسيان وأشياء أخرى.


عاشت حياة بسيطة، بدأتها كمطربة «كورس»، ثم أصبحت الممثلة الأكثر وجودا على شاشة السينما المصرية... إنها وداد حمدي التي انتهت حياتها نهاية مأساوية، فقد قتلها ريجيسير داخل شقتها، بغرض سرقتها، وسداد ديون أثقلت كاهله.
ولدت وداد محمد عيسوي زرارة الشهيرة بـ «وداد حمدي» في 3 يوليو العام 1924 بمحافظة كفر الشيخ «143 كيلو مترا شمال القاهرة» وبدأت حياتها الفنية كـ «مطربة» كورس، ثم بدأت التمثيل وعرفت كأشهر خادمة في مصر وقدمت وداد لتاريخ السينما المصرية نحو 600 فيلم،
واشتهرت في أدوارها بتوصيل رسائل الحب بين مخدومتها والحبيب... حيث تكرر هذا المشهد في أدوار عدة بالأفلام التي قدمتها ومنها «ورد الغرام»، و«ثورة المدينة»، و«حسن ونعيمة».
معهد التمثيل
درست وداد التمثيل جيدا... وتخرجت بعد عامين في معهد التمثيل وقدمها المخرج هنري بركات في فيلم «هذا جناه أبي»، ثم عملت أيضا في الفرقة القومية المصرية، وشاركت في مسرحية «شهرزاد» بدلا من عقيلة راتب، وعملت في مسرحيات أخرى في تلك الفترة منها: «عزيزة ويونس».
تزوجت وداد حمدي «3» زيجات محمد الموجي وصلاح قابيل ومحمد الطوخي، واعتزلت في حقبة الستينات بسبب زواجها ولكن الفنانة وردة أخرجتها من عزلتها، عندما طلبتها للعمل في مسرحية «تمر حنة» من أشهر مسرحياتها التي قامت بها «أم رتيبة» و«20 فرخة وديك» و«عشرة على باب الوزير» و«لعبة اسمها الحب»، و«إنهم يقتلون الحمير»، ومن المسلسلات التي عملت بها مسلسل «غوايش».
جريمة بشعة
المشهد الأخير في حياة وداد حمدي... لم يكن متوقعا ففي العام 1994 ... ارتكب الريجيسير متى باسليوس جريمة بشعة بحق وداد حمدي حيث عاجلها بالسكين وظل يطعنها حتى ماتت وظن أن بإمكانه الهروب من العدالة وأنه سيفلت بجريمته وقد هزت هذه الجريمة قلوب ومشاعر الناس في كل مكان.
وبالرغم من اعتراف المجرم بجريمته لكن محاكمته ظلت «4» أعوام إلى أن قضت المحكمة بإعدامه.
تفاصيل المشهد الأخير في حياة وداد حمدي كانت في بناية فينوس رقم 38 شارع رمسيس بالقاهرة ففي الساعة الـ «12» ظهرا كانت السيدة ليلى عيسوي شقيقة الفنانة وداد حمدي... تستعد للصعود لشقة شقيقتها التي تقع بالدور السابع، عندئذ استقبلها حارس البناية عم جوهر... وأكد لها أن شقيقتها الفنانة نسيت إطفاء أضواء الشقة، كذلك لم تغلق الباب الحديد الذي يحيط بباب الشقة... هذه العبارة أثارت قلق ليلى كثيرا، وأدركت أن هناك خطرا أصاب شقيقتها.
حريصة
كانت ليلى... تعلم أن شقيقتها شديدة الحرص فهي دائما تحرص على إغلاق بابها الحديد وتطمئن على إطفاء الأنوار قبل نومها، واجتاحت الظنون عقل السيدة ليلى حتى إنها لم تنتظر المصعد بل أخذت تقفز على درجات السلم حتى وصلت للطابق السابع، وعندما وصلت ليلى إلى شقة شقيقتها أزاحت الباب الحديد وأخرجت بسرعة مفاتيح شقة وداد التي تحتفظ بنسخة منها.
فتحت ليلى الشقة بسرعة، واتجهت إلى غرفة نوم وداد وسقط قلبها بين يديها وهي ترى محتويات الشقة مبعثرة، وأخذت تنادي على شقيقتها من دون رد وكان باب غرفة النوم مفتوحا، وقد هالها المشهد الذي وقعت عيناها عليه، فوداد حمدي كانت مسجّاة على وجهها فوق سريرها وكانت الملابس تغطيها ولا يبدو منها سوى قدميها.
إنسانة طيبة
أسرعت ليلى تزيح الملابس عن جسدها. فإذا بالدماء تغطيه فالطعنات تناثرت في أجزاء كثيرة من الجسم وكانت قد فارقت الحياة، وهنا صرخت ليلى من هول ما شاهدت، وأسرعت.... إلى التلفون لتطلب الشرطة واكتشفت أن الحرارة مقطوعة ثم أسرعت للجيران واستدعت رجال مباحث الأزبكية، وفي لحظات وصل رجال الشرطة وخبراء البصمات وطلبوا من الجميع ألا يلمسوا أي شيء في الشقة، وامتلأ منزل وداد حمدي برجال الشرطة وانهمك الجميع في فحص مكان الحادث، وبحث رجال المعمل الجنائي عن بصمات لغرباء ومن يكون القاتل ووداد حمدي تشتهر بين جيرانها بالطيبة وهي خيّرة.
القاتل ليس غريبا
ويستمر المشهد الأخير فبعد بحث اكتشفوا بصمة مجهولة على كرسي بالصالون، وقد عثر رجال المباحث على «3» أكواب بها بقايا عصير الليمون... فالقاتل تمكن من سرقة بعض الأموال السائلة التي كانت تحتفظ بها الضحية وكاسيت صغير كانت تضعه بغرفتها، وتأكد رجال المباحث هنا أن القاتل ليس غريبا عن وداد حمدي فهي حذرة من الغرباء، وكانت تضع باب سلك بعد باب شقتها ثم باب «أكورديون» حديد ولا تفتح لأحد إلا بعد التأكد من شخصيته من خلال الديكتافون الذي كان وسيلتها في التعرف على القادمين إليها... لكن كيف حدثت الجريمة؟!
لمعرفة الجاني وضع مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة تصورا للحادث فقد تصور أن القاتل اتصل بوداد حمدي من جهاز الديكتافون، وطلبت منه الصعود إلى شقتها، وفتحت له جميع الأبواب، وأيضا أحسنت استقباله وقدمت له عصير الليمون، وكان المتهم خطط لقتلها واستأذن للذهاب للحمام وذهبت هي لغرفة نومها، فتتبعها القاتل وطلب منها نقودا وحاولت مقاومته لكن باغتها بطعنات متتالية وسقطت وداد حمدي مضرجة في دمائها، ثم حملها القاتل ووضعها على سريرها، وغطاها بملابس كثيرة، وفي دقائق تمكن من سرقة أموالها... وقبل أن يهرب حرص القاتل على مسح بصماته وإحكام إغلاق الأبواب.
وبعد بحث كانت المفاجأة حيث عثر رجال المعمل الجنائي على ساعة يد رجالي وشعرة رأس تمسك بها أصابع وداد حمدي، ووجدوا أيضا أجندة التلفونات الخصوصا بها وكانت تحتوي على أكثر من 300 رقم تلفون.
مهمة صعبة
كان واضحا أن مهمة رجال المباحث ستكون صعبة للغاية لكن بعد ساعات من البحث المتوالي تركزت الشبهات حول شخصين... كان أحدهما قريبا لوداد حمدي وهو «مسجل خطر»، تم توقيفه في بعض القضايا... والمتهم الثاني هو الريجيسير متى، وأكد أشقاء وداد حمدي أن الريجيسير كان على موعد مع شقيقتهم في توقيت الجريمة، وكان ذلك بداية الخيط.
بدأت الشرطة رحلة البحث عن الريجيسير «متى» ووجدوا أنه لا يذهب لمتجر الأسماك الذي اشتراه وأيضا غاب عن منزله، لكن غيابه لم يطل... ففي المساء... عاد لأسرته، وكانت مفاجأة مثيرة له حينما وجد نفسه بين رجال المباحث الذين واجهوه بالاتهامات بقتل وداد حمدي.
إنكار
في البداية... أنكر «متى» كل شيء، لكنه انهار بعد ذلك أمام رجال الشرطة وخصوصا عندما اكتشفوا أن البصمة المجهولة في الصالون كانت بصمته، وهنا تلعثم أيضا حينما أخبروه أنهم يعرفون أنه زار وداد حمدي يوم مصرعها، وهنا عجز متى عن توضيح مكانه وقت الحادث.
المشهد الأخير
المفاجأة التي فجرها رجال المباحث أنهم اكتشفوا أن متى كان مدينا لبعض الأشخاص ثم قام بتسديد بعض ديونه بعد ارتكاب الحادث، وانهار «متى» أمام سيل المعلومات التي توصلت إليها الشرطة، وأكد أنه سيعترف بكل شيء وأنه وضع المشهد الأخير لحياة وداد حمدي... حيث قتلها ليسرقها ويخرج من الأزمة المالية الطاحنة التي يعيشها، خصوصا أن ليلى شقيقة وداد حمدي قالت إنها حاولت في الثامنة مساء الاتصال بشقيقتها، لكنها لم ترد على المكالمة، وتصورت ليلى أن شقيقتها ربما تكون قد خرجت مع الريجيسير أو المنتج، وفي الصباح قررت ليلى أن تذهب لتطمئن على شقيقتها، واكتشفت الجريمة البشعة.
فكر في قتل يسرا وشريهان وزكي
وفشل مشروع متى وأغلق محل الأسماك بعد أسبوع من افتتاحه حيث فسدت الأسماك التي اشتراها ليبيعها واسودت الدنيا في وجهه وخنقته الديون المتراكمة وأصبح كثير الهرب من الدائنين، وقرر متى استدانة المبلغ من الفنانة يسرا وأسرع لشقتها في الزمالك وحاول مقابلتها لكن البواب منعه، وأخرج متى مظروف خطاب يحتوي على كلمات رقيقة يطلب فيها من يسرا اقتراض مبلغ يساعده على الخروج من أزمته المالية، وأرفق بالخطاب صور أطفاله الصغار حتى يرق لها قلب الفنانة يسرا... فغاب البواب بضع دقائق وعاد إلى متى وهو يؤكد له أن يسرا مستغرقة في النوم، وانصرف الريجيسير حزينا، لكن الغضب أعمى عينيه وأشعل في قلبه نيران الحقد وقرر أن يقتل أي فنان ويحصل على أمواله.
خطط الريجيسير لقتل أحمد زكي... وجهز سكينا وذهب لهيلتون رمسيس حيث يقيم أحمد زكي، لكن «متى» لم يستطع الدخول للفندق وهو يحمل السكين وخشى من اكتشاف الأمن للسكين الذي يحمله، وفكر «متى» في قتل شريهان وسرقتها لكن واجهته مشكلة انتشار أفراد الأمن حول عمارتها، وهنا فكر في وداد حمدي... وقرر قتلها وسرقة مجوهراتها وأموالها، لكنه فكر قبل قتلها في زيارة الفنان هشام سليم فهو دائم العطف عليه لكنه لم يجد هشام في منزله فحسم «متى» أمره وخطط لقتل وداد.
حيلة ماكرة
أجرى متى الاتصال بوداد من مقهى «بعرة» وأخبرها أنه يعرض عليها أداء دور في مسلسل تنتجه القناة الفضائية وحدد موعدا لمقابلتها في اليوم التالي، لكن متى لم يذهب إليها وتراجع عن فكرة قتلها وبحث عن طريقة أخرى لتسديد ديونه، لكن كل الأبواب أغلقت في وجهه، وبرزت الفكرة في رأسه مرة أخرى، لذا عاود «متى» الاتصال بوداد مرة أخرى... وحدد لها موعدا مساء يوم الجمعة وأخبرها أنه سيحضر ومعه المنتج والمؤلف، وأكدت وداد أنها ستنتظره في الموعد المحدد.
حسم متى أمره وذهب إلى الصيدلية واشترى قفازين بلاستيك، وجهز سكينتين كبيرتين وأخفاهما في السويتر الجلد الذي كان يرتديه وذهب لمنزل وداد، وتحدث معها في جهاز «الديكتافون» فطلبت منه الصعود، وعندما وصل المصعد للطابق السابع، وجدها في انتظاره، أحسنت استقباله وأجلسته في الصالون وسألته عن المنتج والمؤلف، وأخبرها أنهما يجلسان على المقهى بعض الوقت لشرب الشيشة وسيصعدان بعد قليل.
ثم أحضرت وداد دورق ليمون من الثلاجة... وقدمت لضيفها كوبا وجلست تتحدث معه، وكان يحمل «إسكربت للمسلسل» وبدأ يحكي لها عن تفاصيل دورها وفجأة توقف عن الحديث وطلب منها أن تسمح له بدخول الحمام، وافقت وداد وسبقته لغرفة نومها لتحضر له «فوطة»... وهنا سمعت وداد حمدي صوت خطوات وراءها، التفتت خلفها فوجدت «متى» شاهرا سكينه، وقالت له «إحنا هانهزّر... بلاش لعب عيال» لكن نظرات الشر في عيون متى جمدت الدم في عروق وداد حمدي وأدركت أن متى لا يعرف المزاح وكان هدفه واضحا.
توسلت إليه وداد أن يتركها وخلعت له ساعتها وقدمت له نقودها، لكنه أزاح النقود جانبا، وقرر قتلها حتى لا تعترف عليه، فطعنها في ظهرها وسقطت وداد حمدي على الأرض وهي تصرخ وتستعطفه، لم يشعر «متى» بنفسه وتوالت طعناته القاتلة في جسد وداد حمدي وسقطت على الأرض.
إخفاء معالم الجريمة
عندما اطمأن متى أن وداد حمدي ماتت حملها ووضعها على سريرها ووضع عليها الملابس وبدأ رحلة البحث عن النقود والمجوهرات، فوجئ أن علبة الذهب خاوية ولم يعثر على نقود إلا 270 جنيها فقط، وعثر على كاسيت صغير، حمله واستعد لمغادرة الشقة ولم ينس أن يغسل أكواب الليمون التي تحتوي على بصماته وأحكم إغلاق أبواب الشقة وقطع سلك التلفون وهرب.
بعد ذلك توجه متى لمتجر السمك الذي يمتلكه، وأخفى فيه السكين التي ارتكب به الحادث بعد أن غسله وسدد ديونه لاثنين من جيرانه بجوار متجره، ثم أسرع بعد ذلك لسوق ليبيا بالعتبة لبيع الكاسيت بـ «50» جنيها سدد بها بعض ديونه، وبعض جيرانه شاهدوه وهو يتخلص من سلسلة مفاتيح أكد في اعترافه أنها مفاتيح منزل وداد حمدي... ثم عاد لمنزله في مدينة نصر ولم يذق طعم النوم حتى ألقى القبض عليه.
وأكد «متى» أنه كان مترددا كثيرا قبل مقتل وداد حمدي... فهي كانت تحسن إليه دائما، وآخر أعمالها السينمائية معه كانت من خلاله 6 أشهر، وأسدلت الستار تماما على القضية بإعدام «متى».
كانت وداد حمدي... تعيش في شقتها بمفردها، وترفض أن يقيم معها أي شخص من أقاربها، وكانت تخدم نفسها بنفسها... وفي السنوات الأخيرة من عمرها كانت تحرص على قراءة القرآن وسماعه منذ الفجر حتى صلاة الظهر، وذهبت للحج أكثر من مرة وتحرص على صيام الأيام «الست البيض» عقب شهر رمضان كل عام، وكانت حريصة جدا ولا تدخل أحدا غريبا في شقتها.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا