موسكو تراوغ في سورية ... وإيران مربَكة

تقرير / سحْب الغطاء الجوي الروسي سيدفع حلفاء الأسد الى إعادة النظر بخططهم العسكرية
موسكو كرّرت ما فعله السادات بالفرقة الثالثة العام 1973
يتراجع حلف دمشق وموسكو أمام حلف دول المنطقة في الشرق الاوسط وأميركا على الخريطة السورية في الجانب العسكري، حيث استعادت «جبهة النصرة» زمام المبادرة على الأرض مع حلفائها من «أحرار الشام» و«جند الشام» و«جيش السنّة» والقوات التركستانية التي تحارب ضمن صفوف «جيش الفتح» الذي يضمّ عدداً من المنظمات الإسلامية الجهادية وغيرها.

ومع العلم ان مساحة مدينة خان طومان التي استولى عليها «جيش الفتح» في الأيام الأخيرة لا تتعدى الـ 3 كيلومترات مربعة مع الخالدية، الا انها تمثّل منعطفاً مهماً في تاريخ الحرب السورية لأسباب عدة أهمها ان دول المنطقة الداعمة لهذا «الجيش» تقرأ الخريطة العسكرية - السياسية بشكل جيّد، وتفهم ان روسيا غرقت سياسياً في وحل الديبلوماسية الاميركية، ودخلت نفق المباحثات الديبلوماسية، ولم يعد الكرملين يرى مسوغاً جدياً لإعادة القوى الجوية الى سورية، ما دام وقف اطلاق النار يشمل اكثر من 97 مدينة وقرية. ولذلك فان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحتاج الى حجة قوية للعودة الى الساحة السورية، مثلما فعل قبل 6 اشهر. اما اليوم فان موسكو وضعت نفسها الى جانب الديبلوماسية الاميركية المرنة والتي تتبدل بحسب التطورات في سورية، وهي غير مستعدة لفتح جبهات ديبلوماسية عدائية مع دول المنطقة التي تدعم أطرافاً متعددة في مسرح العمليات السوري. ولهذا فان موسكو أغضبت حلفاءها في سورية وأدخلتهم بقوة اليها ليقدّموا الرجال ويتقدموا في مناطق واسعة في جنوب وشرق حلب مثلاً، الا انها فرضت وقف إطلاق النار بتوقيتٍ اعتُبر غير مناسب، عندما كانت «النصرة» وحلفاؤها يتقهقرون الى خارج جنوب حلب، وكذلك الى الشمال حتى الحدود التركية والى الشرق على مشارف سهل الغاب.

ومع وقف روسيا الحرب فجأة، استقبلت طائراتها وطياروها استقبال الأبطال العائدين من الحرب وتركت «حزب الله» اللبناني والقوات الافغانية والعراقية والمستشارين الايرانيين على ارض المعركة من دون تقديم غطاء جوي، لانتشار هؤلاء على مساحات جغرافية واسعة تكتيكية وغير استراتيجية تفرض على القوات الحليفة للرئيس بشار الأسد تكثيف الدعم اللوجستي، مع التقصير في الدفاع عن القوات المتقدمة في عمق الجبهات، بينما أعطت روسيا الوقت لـ «النصرة» و«جند الاقصى» و«جيش السنّة» و«احرار الشام» وغيرها لاعادة التنظيم والتدريب والاستقطاب وتحقيق انتصارات - ولو صغيرة في الوقت الحاضر - ترفع المعنويات مع ضمّها مئات من المتطوعين الجدد.

ومن المتوقع ان تهاجم «النصرة» مع حلفائها نقاطاً أخرى ومواقع متقدمة في أرياف سورية لتسجّل المزيد من الانتصارات في الأسابيع المقبلة في مناطق بعيدة عن المدن الرئيسية التي لن يتخلى عنها الأسد ولا حلفاؤه. ومن الطبيعي ان تكون هناك أوجه اختلاف في الأهداف المراد تحقيقها في سورية، فرغم اعلان روسيا انها لن تبحث تنحي الأسد من السلطة، الا انها تدخلت بشكل قلب الميمنة على الميسرة في الأشهر الستة الاولى في أواخر العام الماضي، ثم توقفت - بحسب اعتقاد ايران وحلفائها في سورية - في التوقيت غير المناسب، ومن غير الواضح ما الأسباب التي دفعتها الى ذلك، فعرّضت القوات الافغانية من قوى «الفاطميون» والتنظيمات العراقية المختلفة وكذلك «حزب الله» اللبناني الى خسائر بشرية قبِلت بها ما دام الهدف هو هزيمة القوات الجهادية، وإعادة السيطرة للأسد على المناطق الأساسية المأهولة. فحصلت معركة تل العيس ومدينتها وتلة السيرياتل لتكون المعركة الاولى التي فتحت باب هزيمة حلفاء دمشق، لتكمل «النصرة» وحلفاؤها على خان طومان والخالدية.

وتقول مصادر قيادية على الساحة السورية لـ «الراي» ان «الروسي وقع في الفخ السياسي - الديبلوماسي عندما اخذ، قبل 6 اشهر، كل المقاتلين الى الحسم العسكري وانسحب من العمل العسكري في المناطق التي تقع خارج سيطرة داعش (تنظيم الدولة الاسلامية) من دون ان يقدم الدعم المدفعي والحربي (الطيران) لحماية القوات الموجودة في مناطق بعيدة عن الدعم اللوجستي المركزي، او لتعطيها الوقت للانسحاب الى مناطق تستطيع من خلالها بناء خط دفاع يصمد في وجه محاولات النصرة وحلفائها التقدم لاستعادة الارض وتحسين وضع المفاوضين في جنيف للاصرار على رحيل الاسد اولاً، مع العلم ان الموجودين لا يملكون سيطرة مباشرة على ارض المعركة (ما عدا الغوطة التي تلتزم بوقف الاعمال العدائية)، بالاضافة الى ان رحيل الاسد لا يمثل نهاية المعركة للاسلاميين مثل النصرة واحرار الشام وجند الاقصى وجيش المهاجرين والانصار وجيش السنّة، لإصرار هؤلاء على إقامة الحكم الشرعي تحت اي عنوان كان، دون ان يكون بالضرورة امارة اسلامية مثل التي ينادي بها داعش او كانت قاعدة الجهاد تنادي بها لعدم نضوجها ومقبوليتها في الوقت الحالي».

وترى المصادر القيادية في حلب ان «دول المنطقة التي تملك سلطة على بعض التنظيمات المعارضة القوية والفاعلة على ارض الشام، تعمل لإعادة عقارب الساعة الى ما قبل 6 اشهر واستعادة اكثرية الارض التي فُقدت بانتظار رئيس اميركي جديد يتفاعل مع سورية اكثر من الرئيس باراك اوباما الذي سيبقى في السلطة للأشهر السبعة المقبلة. ولهذا فان هذه الدول تمضي بدعم هذه التنظيمات بالسلاح والمال ما دامت اميركا ايضاً تراوغ روسيا سياسياً والكرملين يتناغم مع واشنطن دون العودة الى القتال، مما شكل حرجاً عسكرياً لحلفاء دمشق على الأرض ليشبه ما فعلته روسيا بحلفاء دمشق ما فعله الرئيس المصري الراحل أنور السادات العام 1973 عندما اوقف الحرب فجأة وأعطى اسرائيل الفرصة لإعادة تجميع قوّاتها والعودة لأخْذ المبادرة العسكرية والتغلب من جديد على الجيش المصري الفرقة الثالثة ومحاصرتها لينتج عن ذلك اتفاق كامب ديفيد».

ولذلك فان من الطبيعي ان يعدّل حلفاء دمشق خططهم ويعيدوا النظر بانتشارهم العسكري على أرض المعركة لتخفيف الخسائر ما دامت المعركة غير واضحة الأفق وما دام التصرف الروسي غير واضح المعالم. فقبل 6 اشهر، قررت دمشق وحلفاؤها الانكفاء الى المدن والتخلي عن المناطق البعيدة عن المراكز الرئيسية، حيث تتواجد القوى الرئيسية والتخلي عن الارياف البعيدة التي يصعب مدّها بالدعم اللوجستي ويصعب حمايتها. واليوم، وقد سُحب الغطاء الجوي من المعادلة لتبقي روسيا تصويبها على داعش شمال تدمر دون ان تلتفت الى المناطق الاكثر اهمية حيث تتواجد النصرة وحلفاؤها وحيث السيطرة على مساحة سكنية أكبر بكثير من المناطق الاخرى الخارجة عن سيطرة دمشق، فهل تنسحب القوات الحليفة الى المدن من جديد او توجِد خط دفاع تستطيع المقاومة فيه؟

المستقبل غامض في سورية الا ان نقاطاً اساسية واضحة: ان السياسة الروسية المهادِنة ستؤثّر سلباً على دمشق وجنودها على ارض المعركة، وان الحرب في سورية ستبقى الى مدة زمنية طويلة وغير محدودة ولا معلومة الأفق.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا