تنتمي لعائلة ارستقراطية


بهيجة حافظ... نجمة ماتت وحيدة / 12

المشهد الأخير
  • 12 سبتمبر 2008 12:00 ص
| القاهرة - من حنان عبدالهادي |
إذا كانت الأفلام المصرية... اشتهرت في خمسينات وستينات القرن الماضي، بالنهايات السعيدة... كانتصار قوى الخير على الشر، أو التقاء الحبيبين، بعدما ظنا كل الظن ألا تلاقيا، وزفافهما بين الأهل والأحباب والأصحاب... فإن المشهد الأخير في حياة عدد غير قليل من الفنانين والمشاهير المصريين والعرب كثيرا ما بدا مأساويا مؤلما مفعما بالحزن.
ففي لحظة فارقة... تنطفئ أضواء النجومية، ويضعف الجسد الذي كان يوما ممشوقا يصول ويجول أمام الكاميرات، ويقدم أصعب الأدوار وأعنفها.
في لحظة فارقة... تكتفي الحياة بما قدمته لفنان ما، وتقول له «يكفيك هذا... لقد حانت نهايتك»... وشتان بين إقبال الحياة وإدبارها وتبسمها وسخريتها، وعطفها وقسوتها، وفارق كبير... بين أن تربت على كتفيك وتفيض عليك بحنانها، وبين أن تركلك بأرجلها، كما يركل اللاعب الكرة.
كم كان مؤلما... المشهد الأخير في حياة فنانين أثروا الشاشتين الصغيرة والكبيرة بأعمال مميزة، لاتزال باقية في الذاكرة، أو مطربين ومطربات أثروا وجداننا ببديع أصواتهم، أو نجوم ومشاهير في مجالات أخرى... كان لهم حضور قوي... وتأثير واسع، سرعان ما ينهار ويندثر.
فبينما كان النجم أحمد زكي يواصل تألقه وإبداعه الفني، باعتباره «حالة فنية مختلفة»... أوقفه المرض الخبيث، وأخفى حالة من الحزن في الوسط الفني، لم تنته بعد، وبالرغم من مرور نحو 4 أعوام على وفاته، ويشبهه شكلا ومصيرا عبد الله محمود الذي قتله السرطان في ريعان شبابه.
كما جاءت نهاية ممثلة بسيطة وطيبة القلب مثل وداد حمدي مؤلمة... عندما غدر بها «ريجسير»، وقتلها في شقتها، من دون أن تقترف في حقه إثما، وفي أوج تألقها... أمطر رجل الأعمال المصري أيمن السويدي زوجته المطربة التونسية ذكرى بـ «21» طلقة، لتقضي نحبها في الحال.
وهكذا تتعدد النهايات الحزينة لفنانين ومشاهير... طالما أمتعونا وأسعدونا، وطالما عاشوا عقودا من الشهرة والأضواء والثراء... ولكن الأقدار... التي يصرفها البارئ... كيف يشاء... وفي السطور التالية... نهايات مع الفقر والحاجة والمرض والنسيان وأشياء أخرى.


هي احدى الرائدات في مجال العمل السينمائي والموسيقي، وأول فنانة تنشئ شركة انتاج سينمائي، وكان صالونها الثقافي الخاص بها... قبل مشاهير السياسة ونجوم الأدب والفن وقامت بتمثيل عدد من الأفلام السينمائية... لكن المشهد الأخير في حياتها... كانت طريحة الفراش ولم يتم اكتشاف موتها الا بعد يومين من الوفاة... لتكون هذه نهاية غريبة لصاحبة لقب «رائدة السينما المصرية»... الفنانة الراحلة بهيجة حافظ.
لم تكن بهيجة حافظ فنانة عادية... بل كانت فنانة شاملة موسيقية ومنتجة وممثلة، وكانت تنتمي الى عائلة أرستقراطية ولكنها تربت في بيئة فنية وتلقت تعليمها في مدارس أجنبية في الاسكندرية «220 كيلو مترا شمال غرب العاصمة المصرية»، وتعلمت الموسيقى بالخارج، كما كانت لهم علاقات عائلية قوية بالموسيقيين، وخاصة الأجانب وأنتجت وقامت بالتمثيل وشاركت في سيناريو وحوار العديد من الأفلام السينمائية الأولى في بداية السينما المصرية.
كما وضعت موسيقى بعض الأفلام منها فيلم «زهرة» وفيلم «السيد البدوي».
فنانة شاملة
وبالرغم من أنها فنانة شاملة ومن رائدات السينما المصرية، الا أنها فنانة منسية، ومما يذكر أنها كان لها دور بارز في مجال التأليف الموسيقي، وتعتبر أول مصرية تعمل في مجال التأليف الموسيقي الكلاسيكي كما أنشأت شركة للانتاج السينمائي وهي أول فنانة تعمل في ذلك المجال.
ولدت بهيجة حافظ في 4 من أغسطس العام 1908 - أي بدايات القرن الماضي - وقد نشأت في بيئة فنية وحصلت على قسط من الثقافة العلمية والفنية، وقد تلقت تعليمها في كل من مدرستي «الفرنسيسكان» الايطالية «الميردي دييه» الفرنسية بالاسكندرية، وبعد ذلك حصلت على دبلوم في الموسيقى من باريس العام 1930، وبذلك نجد أن بهيجة حافظ كانت تجيد اللغتين الفرنسية والايطالية مع حبها واتقانها للموسيقى.
كان والد بهيجة هو «اسماعيل حافظ باشا» كان هاويا للموسيقى، ومارس تأليف الأغاني وتلحينها، فقد كان والدها يعزف على آلة العود والقانون والرق والبيانو، أما والدتها وهي فنانة أيضا كانت تعزف على الكمان والفيولنسيل، أما اخوتها فقد كانوا يعزفون على الآلات الموسيقية المختلفة... لكن بهيجة كانت تعزف على البيانو وبذلك كانت أسرة بهيجة حافظ كلها فنية.
البداية... موسيقية
تأثرت أيضا بهيجة حافظ بالمايسترو الايطالي «جيوفاني بورجيزي»، والذي كان يقود الفرقة الموسيقية بالاسكندرية، وقد كان جيوفاني يتردد على قصر عائلة بهيجة في حيّ محرم بك... حيث كان صديقا لوالدها، وقد درست بهيجة قواعد الموسيقى الغربية على يد جيوفاني... حتى ان بهيجة كانت تقول انها بدأت تعزف على البيانو وهي في الرابعة من عمرها، وقد قامت بتأليف أول مقطوعة موسيقية وهي في التاسعة، وأعجب والدها بهذه المقطوعة وأسماها باسم «بهيجة»، بعد ذلك ألفت بهيجة مقطوعتين موسيقيتين... الأولى أسمتها «من وحي الشرق» والثانية أسمتها «معلهش».
تزوجت بهيجة حافظ من رجل لا يحب الموسيقى، وبذلك لم يشاركها هوايتها، لذلك فقد طلبت منه الطلاق، وبعد طلاقها من زوجها وأيضا بعد وفاة والدها لم ترغب بهيجة في البقاء بالاسكندرية، فتركت بيت الأسرة بالاسكندرية وقررت الاستقرار بالقاهرة، لتبدأ حقبة جديدة من حياتها.
حياة جديدة
أرادت بهيجة أن تعتمد على نفسها في حياتها الجديدة، وأن تكافح في سبيل الفن وأيضا لاكتساب لقمة العيش، ولحبها للموسيقى فقد عملت بها، وقامت بتدريس الموسيقى والعزف على البيانو لبنات العائلات الأرستقراطية.
ولم تكتف بذلك بل قامت بنسخ النوتة الموسيقية للفرقة بالقاهرة مقابل أجر جنيه واحد للصفحة.
ولم تنقطع بهيجة عن تأليف الموسيقى، وفي ذلك الوقت قامت بتسجيل مؤلفاتها الموسيقية لشركة موسيقية تسمى «كولومبيا» بالاسكندرية، كما قامت بتسجيلها في شركة «أوديون» بالقاهرة،
وأعجب القائمون بشركة «كولومبيا» بأربع قطع موسيقية من تأليف بهيجة فقامت بشراء أربع مقطوعات موسيقية اثنتان من تلك المؤلفات «تانجو» والثالثة «فالس» أما المقطوعة الرابعة فكانت «أنشودة ايطالية» أما شركة «أوديون» فقد اشترت مقطوعتين موسيقيتين سجلتهما على أسطوانة واحدة واشتهرت بذلك بهيجة حافظ في مجال الموسيقى.
زينب والسينما
أما عن علاقة بهيجة بالسينما فقد بدأت العام 1930 مع فيلم «زينب» حيث اختارها المخرج محمد كريم لدور البطولة في ذلك الفيلم، كان اختيار بهيجة حافظ للتمثيل بالسينما بعد أن نالت شهرتها في مجال الموسيقى.
فقد كانت أول سيدة تقتحم ذلك المجال الذي كان يعتبر آنذاك قاصرا على الرجال وأيضا الأجانب، ولشهرتها قامت مجلة «المستقبل» التي كان يصدرها اسماعيل وهبي المحامي - شقيق الفنان يوسف وهبي - وقد نشر صورتها على غلاف المجلة وهي ترتدي البرقع والطرحة، وكتب تحت الصورة عبارة «أول مؤلفة موسيقية».
في ذلك الوقت كان محمد كريم يبحث عن بطلة تقوم بتمثيل فيلمه الأول «زينب»، وخاصة بعد أن رفض يوسف وهبي أن تقوم أمينة رزق ببطولة ذلك الفيلم.
في ذلك الوقت لفتت فتاة الغلاف انتباه المخرج محمد كريم... خاصة أنها أيضا محبة لفن المتمثل في الموسيقى فلم يتردد كريم فعرض على بهيجة حافظ بطولة الفيلم ورحبت بالعمل في السينما فهي لم تبتعد عن المجال الذي تهواه لكن أسرتها لم توافق على ذلك العرض الذي قدمه كريم، بل عارضت بشدة.
حتى ان شقيقتها عندما علمت باصرار بهيجة على القيام بذلك الفيلم والعمل بالسينما أقامت سرادقا عزاء لشقيقتها التي اعتبرتها ماتت لأنها لم ترضخ لقرار الأسرة وأصرت على التمثيل وذلك يعتبر من الأمور المشينة في الأسر الأرستقراطية.
وتلقت شقيقة بهيجة... العزاء في أختها، ولم تكتف بهيجة بالتمثيل في الفيلم... بل انها قامت بوضع الموسيقى التصويرية لذلك الفيلم، وكانت تتكون من 12 مقطوعة موسيقية.
سينما مترو
والطريف أن محمد كريم استعان آنذاك بعازف ليعزف لبهيجة على الكمان أثناء التصوير... حتى تستطيع أن تعبر عن موقف الحزن، وبذلك تعبر عنه بشكل جيد من خلال ابراز ذلك في ملامح وجهها، وبعد الانتهاء من تمثيل الفيلم تم عرضه في سينما مترو في 9 أبريل العام 1930 وقد تقاضت بهيجة حافظ آنذاك عن ذلك الفيلم أجرا قدره «25» جنيها شهريا طوال أيام التصوير.
وقد استغرق تصوير الفيلم مدة طويلة، وبالفعل نجح فيلم «زينب» الصامت وأثبتت بهيجة قدرتها على التمثيل أيضا الى جانب الموسيقى، حتى ان يوسف وهبي اختارها لتمثل أمامه في فيلم «أولاد الذوات» فوافقت بهيجة.
وبالفعل سافرت الى باريس لتصوير بعض مشاهد الفيلم، وكانت بالنسبة لها نقلة فقد وقعت العقد بأجر قدره 250 جنيها، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان ونشبت خلافات بينها وبين يوسف وهبي... فاعتذرت عن الدور وعادت الى القاهرة لتأخذ مكانها في الفيلم الفنانة أمينة رزق التي اشتهرت بتمثيل نفس الدور على المسرح.
شركة سينمائية
في العام 1932 قامت بهيجة حافظ بتكوين شركة للانتاج السينمائي وذلك بالاشتراك مع زوجها محمود حمدي - الذي تزوجته أثناء تصوير فيلم «زينب» - وأطلقت على هذه الشركة اسم الفنار.
وكان باكورة أعمال هذه الشركة انتاج فيلم «الضحايا» العام 1932 وكان فيلما صامتا أيضا وكانت قصته تدور حول ضحايا المخدرات وشاركها البطولة في ذلك الفيلم الفنان زكي رستم وعطا الله ميخائيل وكان مخرج الفيلم هو ابراهيم لاما.
واشتركت في الغناء في الفيلم لأول مرة المطربة ليلى مراد مع أحمد عبدالقادر والراقصة حورية محمد، لكن الموسيقى التصويرية لهذا الفيلم لم تكن من تأليف بهيجة فقد وضع الموسيقى التصويرية له الملحن محمد القصبجي وكما نجح فيلم «زينب» أيضا نجح فيلم «الضحايا» عندما عرض في 28 نوفمبر 1932.
نجاح فيلم الضحايا شجع شركة الانتاج الى انتاج فيلم ثان... فتم انتاج فيلم بعنوان «الاتهام» العام 1934 وقام باخراجه مايو فولبي، وفي ذلك الفيلم قامت بهيجة بوضع الموسيقى التصويرية له.
بالاضافة الى قيامها بدور البطولة مع عزيز فهمي وزينب صدقي وزكي رستم وشاركتهم في الأداء التمثيلي بذلك الفيلم زوج بهيجة في دور وكيل النيابة، وعرض الفيلم في 30 مارس العام 1934 ومع نجاح الأفلام قامت الشركة أيضا باعادة انتاج الفيلم الأول «الضحايا» الناطق في العام 1935.
وفي العام 1937 قامت شركة فنار بانتاج فيلم «ليلى بنت الصحراء»... والذي يعتبر الانتاج التاريخي الضخم، وذلك الفيلم يعتبر علامة مهمة في تاريخ ومشوار بهيجة حافظ الفني والسينمائي بشكل خاص، ويعتبر أيضا علامة مهمة في تاريخ السينما المصرية.
فبالاضافة الى انتاجه قامت بهيجة حافظ بدور البطولة فيه أمام حسين رياض وزكي رستم وعباس فارس، كما قامت بوضع الموسيقى التصويرية له.
والجديد أنها قامت بتصميم الأزياء، ويقال انها قامت باكمال اخراج الفيلم مع «3» من المساعدين هم «حسين عبدالوهاب وبدر أمين وابراهيم حسين العقاد» وذلك بعد أن اختلفت مع المخرج «ماريو فولبي فأبعدته عن اخراج الفيلم ولذا فقد جاء الفيلم لا يحمل اسم مخرج ولكن كانت هناك اشارة على تترات الفيلم مكتوب عليها «فيلم من انتاج واخراج شركة الفنار فيلم».
ليلى بنت الصحراء
يعتبر فيلم «ليلى بنت الصحراء» من الأفلام ذات الانتاج الضخم، بل انه كان أول فيلم ينتج بميزانية ضخمة... حيث بلغت ميزانيته حوالى 18 ألف جنيه في العام 1937 - بدايات القرن الماضي ـ وذلك المبلغ ضخم قياسا لانتاج تلك الفترة.
وقد عرض الفيلم في 28 يناير 1937 وقد لاقى ذلك الفيلم نجاحا كبيرا، ولم يعرض الفيلم في مصر فحسب، بل انه عرض في مهرجان برلين الدولي كأول فيلم عربي ناطق يعرض في ذلك المهرجان ويحصل على جائزة ذهبية، ورشح الفيلم للعرض في مهرجان البندقية - ايطاليا - وبعد سفر بهيجة وزوجها الى ايطاليا للاشتراك في المهرجان، كانت المفاجأة غير السارة حيث يفاجآن بصدور قرار من وزارة الخارجية بمصادرة الفيلم ومنع عرضه في الداخل والخارج لأسباب سياسية وذلك بعد مرور عام على عرضه أي العام 1938 .
خسائر فادحة
وقد أحدث مصادرة الفيلم خسارة فادحة تكبدتها شركة الفنار وتحولت الشركة بعد ذلك بدلا من شركة بين الزوجين الى شركة مساهمة، وبعد أن كانت نجاحاتها متواصلة لم تقم الا بتوزيع فيلم «بياعة التفاح» العام 1939 وكان من انتاج شركة ايزيس فيلم، لكن بعد 6 سنوات رفع الحظر عن فيلم «ليلى بنت الصحراء»، وذلك بعد أن رفعت الشركة دعوى تعويض على الحكومة بمبلغ 20 ألف جنيه،
وبعد انتهاء الظروف السياسية بطلاق الشاه وشقيقة الملك - والتي أدت لمصادرة الفيلم - لكن الرقابة اشترطت ادخال بعض التعديلات عليه بالحذف والاضافة وتغيير اسم الفيلم الى «ليلى البدوية» وعرض الفيلم بعد ذلك في دار سينما الكورسال في 13 مارس 1944 .
وبعد توقف دام 10 سنوات عادت شركة الفنار فيلم لانتاج فيلم «زهرة السوق»، وذلك في العام 1947 وكان من اخراج حسين فوزي، وأكمل اخراجه المونتير كمال أبو العلا وكتبت بهيجة حافظ قصته وعهدت الى ابراهيم حسين العقاد بكتابة السيناريو والحوار.
وقامت فيه بدوري «بهيجة» و«زهرة» وشاركها البطولة أحمد منصور وكمال حسين وعلوية جميل وعبدالفتاح القصري، واشترك فيه بالغناء المطرب اللبناني وديع الصافي.
وضم الفيلم مجموعة من الأغنيات قامت بهيجة بتلحينها ووضعت الموسيقى التصويرية للفيلم، وبالرغم من أن الفيلم ضم مجموعة من كبار النجوم والوجوه الجديدة.
المشهد الأخير
والمشهد الأخير في حياة بهيجة التي رحلت في صمت بعد أن عاشت شبابها بين الأضواء والنجاح والشهرة... عندما داهمها المرض في سنواتها الأخيرة وظلت بهيجة طريحة الفراش لسنوات طويلة، وكان لا يطرق بابها الا القليل من معارفها،
والغريب أنه لم يتم اكتشاف موتها الا بعد يومين من حدوث الوفاة وبالصدفة اكتشف ذلك أحد الجيران، وشيعت لمثواها الأخير دون أن يسير في جنازتها أحد من الفنانين بالرغم من أنها احدى رائدات العمل السينمائي.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا