«العقل المُدبّر» لترامب يُقلق العالم بقيادته «الجمهوري» نحو «اليمين المتطرف»

مستشار الرئيس للشؤون الاستراتيجية بات «نجماً» في أميركا
الراديكالية التي يمثلها بانون بدت جلية في إطلالته في مؤتمر «المحافظين» السنوي
عكس المؤتمر السنوي الذي يعقده اليمين المحافظ في الحزب الجمهوري الاميركي تبدل المزاج داخل هذا الحزب، وجنوحه نحو اليمين المتطرف، مع صعود حركة دونالد ترامب وانتخابه رئيسا للبلاد. وتحدث هذا العام في المؤتمر، الذي اختتم أعماله، اول من أمس، سلسلة من كبار مسؤولي الحزب، تصدرهم ترامب ونائبه مايك بنس. لكن الاضواء تسلطت على مستشار ترامب للشؤون الاستراتيجية ستيفن بانون، الذي يعتبره كثيرون العقل المدبر لحركة ترامب والاب الروحي لعقيدتها المتطرفة. وأطل بانون في ندوة جمعته مع رئيس موظفي البيت الابيض، الذي يمثل الجناح المعتدل في الحزب راينس بريبس، وهي اطلالة بانون الرسمية الاولى منذ انتخاب ترامب رئيسا في 8 نوفمبر الماضي. ويمثل بانون، البالغ من العمر 63 عاما، سلسلة من التناقضات، فهو سبق ان تطوع في البحرية، قبل ان يتخرج في جامعة هارفرد المرموقة ويعمل في مصرف «غولدمان ساكس»، احد اعمدة سوق الاسهم المالية «وال ستريت». وبعد ان جمع ثروة، انتفض بانون على نفسه، وأعلن نفسه معاديا لـ «وال ستريت»، والشركات الاميركية المساهمة، وللنظام العالمي بأكمله، والعولمة. وانتقل بانون الى هوليوود، حيث عمل منتجا ومخرجا للافلام.

وفي العام 2010، أخرج بانون وثائقيا كتب نصه وحمل عنوان «الجيل صفر»، حمل فيه على «المؤسسة الحاكمة» المتمثلة بالحزبين الجمهوري والديموقراطي، واتهمهما بأنهما تحولا الى حزب واحد يحمي الشركات وكبار المتمولين على حساب الاميركيين العاديين، الذين خسروا وظائفهم بعد انتقال المصانع من أميركا الى دول حول العالم، في طليعتها الصين والمكسيك. وترافق صدور وثائقي بانون مع صعود «حركة الشاي» اليمينية المتطرفة داخل الحزب الجمهوري، التي حملت الحزب الى استعادة الغالبية في «مجلس النواب» في انتخابات 2010، وفي «مجلس الشيوخ» في انتخابات 2014، قبل استعادة الجمهوريين البيت الابيض العام الماضي.

والى سيطرة الحزب الجمهوري على البيت الابيض والكونغرس، يسيطر الحزب على 77 من 99 من «الكونغرسات» المحلية التابعة للولايات، كما ينتمي 33 من اصل 50 محافظا للولايات الى الجمهوريين.

ومع تربع الجمهوريين على رأس قيادة الولايات المتحدة بأجنحتها الفيديرالية والمحلية، اتجهت انظار مناصريهم الى الوعود التي أطلقها الجمهوريون، لناحية القضاء على قانون الرعاية الصحية الذي أقره أوباما في العام 2010، والقضاء على صناديق الرعاية الاجتماعية عموما، وتخفيض الضرائب، والغاء التشريعات بهدف تحرير الاعمال من القيود. لكن بانون ينوي الذهاب الى أبعد من ذلك، فعقيدته تنقلب على العولمة بأكملها. والعولمة والتجارة الحرة هي في صلب عقيدة الحزب الجمهوري تقليديا.

كما ينوي بانون القضاء على «المؤسسة الحاكمة» وتقويض «الدولة الادارة». هذه الراديكالية التي يمثلها بانون بدت جلية في اطلالته في مؤتمر «المحافظين» السنوي، فهو أطلق تسمية «المعارضة»، لا على الحزب الجمهوري وحده، بل على «الاعلام الاميركي» الذي اتهمه بانون بأنه مملوك من قبل «الشركات المساهمة العالمية». وقال بانون ان انسحاب ترامب من اتفاقية «الشراكة عبر الهادئ»، كانت لحظة مفصلية في التاريخ الاميركي، وان أميركا مع موعد للعودة الى «الاقتصاد القومي»، بدلا من ان تكون مجرد سوق من دون ابواب في الاقتصاد العالمي. ومع انتشار فكرة بانون عن «الاقتصاد القومي»، يبدو مفهوما معاداة المهاجرين غير الشرعيين، الذين يشغلون وظائف وضيعة في البلاد. ويعتقد بانون ان ترحيل هؤلاء يعطي وظائفهم للعاطلين عن العمل الاميركيين.

دوليا، يعتقد بانون ان النظام العالمي، الذي رعته الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، أثبت فشله، وان على الغرب العودة الى القوميات المحلية، واقامة تحالفات بين هذه القوميات، ثم قيامها بالانقضاض على اعدائها، وفي طليعتهم «الاسلام الراديكالي».

هذه الافكار المتطرفة لدى الرجل، الذي يعتبر القوة الفكرية خلف ترامب تخيف الاميركيين، لا الديموقراطيين فحسب، بل الجمهوريين ممن يعتبرهم بانون من الخانعين والمشاركين في المؤسسة الحاكمة، وينوي التخلص منهم سياسيا. ويبدو ان في عقل بانون، لا مجال للتسويات، فهو لا يؤمن بالتغلب على المعارضة سياسيا، بل يؤمن بضرورة «القتال» للقضاء عليها كليا. وتنطبق فكرة بانون حول السياسة المحلية على رؤيته لكيفية تعامل أميركا مع الشؤون الدولية.

بيد ان افكار بانون تتناقض مع افكار العدد الاكبر ممن عينهم ترامب في ادارته، فالمدنيون في الادارة الاميركية هم في معظمهم من ارباب «وال ستريت» والعولمة، فيما العسكريون هم ابناء «المؤسسة الحاكمة» ممن اقسموا الدفاع عن الدولة اثناء خدمتهم العسكرية، وممن يتبنون افكارها وطرق عملها. كذلك، سبق لترامب ان وعد علنا، ومرارا، نيته الابقاء على بعض تقديمات الحكومة الفيديرالية، مثل صندوقي التقاعد والطبابة للمتقاعدين والفقراء، وهي وعود تتناقض مع رؤية بانون.

وعقيدة بانون، ومعاداته للنظام العالمي والمؤسسة الحاكمة والدولة الاميركية والاعلام ليست فريدة من نوعها، بل هي تنتمي الى مدرسة فكرية اوروبية معروفة بـ مدرسة «التقليديين»، وهي تتبع كتابات الايطالي الراحل جوليان ايفولا، الذي شكّلت كتبه في الثلاثينات منطلقا فكريا للحركات الفاشية. كما يعلن بانون اعجابه بمفكر آخر من «التقليديين»، هو الروسي الكسندر دوغين، الذي يعتبر العراب الفكري للرئيس فلاديمير بوتين، ولبرنامجه السياسي المحلي والعالمي.

وفي مؤتمر «المحافظين السنوي» الذي انعقد في فندق «غاي لورد» شرق العاصمة الاميركية، كان واضحا ان بانون هو النجم الذي غصت القاعة بالحاضرين اثناء حديثه، والذي كان يتنقل وسط حشود تلاحقه. كذلك حمل صفة نجومية كل العاملين، السابقين والحاليين، في موقع «برايتبارت» اليميني المتطرف، الذي يملكه بانون، وراحت وسائل الاعلام تطارد هؤلاء وتحاول تدبيج مقالات عنهم وعن حياتهم وآرائهم وصعود معلمهم من شخص مجهول قبل ستة اشهر الى أشهر شخصية اليوم في الولايات المتحدة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا