حيدر توفيق


خطر خروج بريطانيا ... مرتفع

رأي مالي
تشهد المملكة المتحدة في الـ23 من شهر يونيو الجاري، استفتاء تاريخياً حول بقائها أو خروجها من منظومة الاتحاد الأوروبي، وتتبقى أمام البريطانيين أيام قليلة للبت في مصير بقاء المملكة في الاتحاد الأوروبي الذي انضمت إليه قبل نحو 47 عاماً.

انطلقت فكرة الاتحاد الأوروبي في بداية الأمر بغرض جمع الدول الرئيسية في أوروبا وإنشاء اتحاد اقتصادي، وهو الاتحاد الذي توسع لاحقاً ليصبح اتحاداً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. قد تترك بريطانيا الاتحاد الأوروبي بالفعل يوم 23 يونيو في حال صدقت استطلاعات الرأي التي يتم نشرها، والتي تشير إلى أن حملة الخروج من الاتحاد تتقدم على الجبهة الداعية للبقاء داخل الاتحاد. تُشكّل هذه الاستطلاعات أنباء سيئة جداً للحكومة وحلفائها في حملة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي الذين عملوا بلا كلل من أجل إقناع الرأي العام البريطاني للتصويت لصالح البقاء داخل الاتحاد.

نعتقد أن تقدم حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد استفادت من قضيتين مهمتين تصدرتا عناوين الأخبار على مدى السنوات القليلة الماضية، وهما الأزمات الاقتصادية في دول منطقة اليورو والتدفق الضخم للاجئين والمهاجرين إلى دول أوروبا الغربية التي تعتبر المملكة المتحدة في قلبها. ينظر المواطن البريطاني العادي إلى هاتين المسألتين بالكثير من الحذر.

أما بالنسبة لوجهة النظر الاقتصادية، فإن البريطانيين يتذكرون جيداً كيف أوصى في السابق ما يسمّى بالخبراء بتخلي بريطانيا عن الجنيه الاسترليني والانضمام إلى نظام اليورو، وهم يرون الآن الأزمات التي تعيشها دول اليورو. أما بالنسبة لمسألة الهجرة فإنها أبسط من ذلك بكثير. لقد رحبت المملكة المتحدة دائما بالمهاجرين المهرة وغير المهرة، إلا أن التكاليف الاقتصادية والاجتماعية أصبحت لا تطاق ولم يعد البريطانيون على استعداد لدفع هذه التكاليف.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يريد البريطانيون فجأة ترك الاتحاد الأوروبي؟

إن السجل السيئ للخبراء السياسيين في ما يتعلق بمستقبل بريطانيا وأوروبا قد خلق مشكلة مصداقية، كما لم يساعد تعبير الحكومات البريطانية المتعاقبة باستمرار عن الخوف من الاتحاد الأوروبي على إيجاد حلول لمخاوف المواطنين البريطانيين العاديين لهاتين القضيتين المهمتين اللتين تم ذكرهما سابقاً. لقد فشلت حملة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي فشلاً ذريعاً في إقناع الرأي العام بجاذبية البقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

وتشير كل الدلائل إلى أن الحياة خارج الاتحاد الأوروبي ممكنة. من الواضح أن سويسرا، التي ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، لا تعيش في فقر دائم ومع ذلك فقد ركزت حملة البقاء على رسم مستقبل قاتم لبريطانيا في حال خروجها من الاتحاد.

بدأت قضية الاستفتاء على مستقبل المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي مع استياء المملكة من المشروع الأوروبي وكيف يمكن المضي قدماً فيه. وقد ارتفع مستوى هذا الاستياء أخيراً على خلفية المخاوف من عمليات الهجرة غير المسيطر عليها.

لقد حاول رئيس الوزراء البريطاني بشكل كبير التفاوض للتوصل إلى شروط أفضل ليس بالنسبة للمملكة المتحدة فقط، ولكن بالنسبة للاتحاد الأوروبي بأكمله. ووعد الناخبين البريطانيين بإجراء استفتاء يقررون فيه هم بأنفسهم حول هذه القضايا المهمة جداً.

لم يحصل رئيس الوزراء البريطاني على أي مساعدة أو دعم من القادة الأوروبيين، في وقت كان يجب عليهم معاملته كحليف بما أن ذلك من شأنه تعزيز المشروع الأوروبي.

نرى أن الاتحاد الأوروبي سيتعرض لنكسة وخسارة كبيرتين في حال قرر البريطانيون في الاستفتاء المزمع تنظيمه الخروج من الاتحاد الأوروبي. يعترف بعض القادة الأوروبيين الآخرين بهذا الأمر، ولكن كبرياءهم يمنعهم من قبول هذه الحقيقة.

في الواقع لقد تجاهلوا رئيس الوزراء البريطاني ولم يقدموا له خلال مفاوضاته اليائسة إلا القليل، وكانت نبرة استجابتهم أكثر ضرراً من القليل الذي قدموه له. لقد كانت رسالة الزعماء الأوروبيين واضحة ومفادها أن بريطانيا ليست هي الجهة التي تملي على أوروبا كيف عليها أن تتغير.

بغض النظرعن ما إذا كانت المملكة المتحدة هي داخل أو خارج الاتحاد الأوروبي، فإن أوروبا ككل تحتاج إلى تغيير هذا الشعور المعادي للاتحاد الأوروبي الآخذ في الارتفاع في العديد من البلدان الأخرى.

لا نعتقد أن الاستفتاء هو فقط بشأن الاتحاد الأوروبي أو أوروبا بشكل عام، القضية هي أعمق من ذلك بكثير. إنها قضية الشعوب الأوروبية التي تعبت من الإجراءات التقشفية، وارتفاع معدلات البطالة، وانعدام الأمل بالمستقبل، وقبل كل شيء عدم المساواة وانعدام الأمن.

إن أوروبا عالقة في معركة مع نفسها، وهي تحاول العثورعلى تعريف واضح لوضعها، وذلك في الوقت الذي تجد فيه بعض الدول نفسها عالقة في مأزق نتيجة القواعد واللوائح الصارمة والمتشددة المفروضة عليهم من قبل بعض الساسة غير المنتخبين في بروكسيل.

في المقابل، فإن المملكة المتحدة، وبفضل عدم انضمامها إلى اليورو، هي أفضل بكثير من حيث الأداء الاقتصادي وتسيطر على سياساتها المالية والنقدية.

يبدو أن الشعب البريطاني يثق بقدرة حزب المحافظين الحاكم، أكثر من أي حزب آخر، على إدارة الاقتصاد البريطاني بطريقة تصب في صالح معظم البريطانيين. كما أن للحزب في الوقت نفسه قدرة على إدارة ملف الهجرة إلى البلاد بطريقة أكثر فعالية بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى وهو الأمر الذي ثبت في الانتخابات الأخيرة.

يتمثل مصدر القلق الأكبر في أن الشعب البريطاني سيقرر يوم 23 يونيو أن التصويت لصالح الشيطان الذي يعرفه هو أفضل من التصويت للشيطان الذي لا يعرفه وسيقرر في نهاية المطاف البقاء داخل الاتحاد الأوروبي. ونحن نعتقد أن هذا القرار سيكون الأكثر ظلماً بالنسبة للأجيال القادمة في المملكة المتحدة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا