اسمهان بدير


حوار / أسمهان بدير: معجبة بالحياة... أحوّل الألم فرحاً والحقد محبة

شاعرة وباحثة ورسامة ومترجمة
  • 10 فبراير 2011 12:00 ص
  •  39
| بيروت - من إسماعيل فقيه |

تكتب الشاعرة اللبنانية اسمهان بدير قصيدتها بهدوء، وتسعى دائماً الى صورة الجمال وجوهر الحياة في ما تكتبه. لا تكتفي بالقصيدة كسبيل للتعبير والقول، فهي ايضاً باحثة ورسامة** ومترجمة أصدرت العديد من الكتب والترجمات التي لاقت اهتماما في الميدان الثقافي والمعرفي. تعيش في فرنسا منذ فترة طويلة وتزور وطنها دائماً، وفي زيارتها الاخيرة تحدثت الى «الراي» عن تجربتها وحياتها وثقافتها:



• من اسمهان بدير، الشاعرة والكاتبة والباحثة والرسامة والمترجمة؟ وما تأثير الغربة عليك وعلى شعرك؟

انا بكل تواضع كل هذه الامور مجتمعة، وأنا قبل كل شيء اسمهان بدير الانسانة، أحب الحياة بحماسة، أحب التفكير في طفولتي، حيث تكونت في كنف والدين يعشقان الفن والجمال، وحيث كبرت ونظرات الاهل المفعمة بالمحبة والاعجاب، وحيث كانت الموسيقى جزءاً مُتمماً لشخصية والدي رحمه الله، وقد اختار لي اسم اسمهان التي كان يدندن اغنياتها على عوده، فيما ترعرت في ظل ام تعشق الاناقة، فكانت تُخيط لي الفساتين الجميلة، فتعلمت منذ نعومة اظافري حب الاناقة وحب الفن بكل اشكاله وألوانه، وهذا ما وضعني تحت تأثير الانغام المتألقة، فأحببت الفن والموسيقى والكلمة الحلوة، وتفتحت عيناي على الجمال، وقد تكون هذه الاجواء الشرارات الاولى التي ستقود خطواتي نحو الثقة بالنفس، نحو البحث عن الفن، وعن الجمال بكل مظاهره. وفي الواقع، في كل لحظة من حياتي كانت اذني تُفتن بسحر الموسيقى وتتبهج عيني بلحظات الطبيعة، وهكذا تعلمت ان افتح ناظري على العالم واكتشفت في كل لحظة بهاءه وعظمته، لكن الحياة تغيرت بسرعة، لتكشف لي ظلالها وآلامها عبر احداث قاسية وحاسمة في تحديد تناغمي مع الحياة بكل اوجهها، بحلوها ومرها.

عشت بداية الحرب ومراراتها، رغم انني لم استوعب هذه الحرب القذرة وأسبابها. لماذا الذبح على الهوية؟ لماذا هذا التعصب الديني والطائفي؟ لماذا يقتل احدنا الآخر؟ لماذا كل هذا الحقد الأعمى؟ ومن اين اتى هذا الانسان اللبناني المتوحش والجاهل؟ اسئلة كثيرة جعلتني اعيش فوضى فكرية داخلية، ربما لحداثة سني آنذاك، لم يكن في استطاعتي ان ادرك هذه الحقيقة المُرّة وهذا الواقع المؤلم، وكنت اتساءل في سري هل هي حرب طبقية؟ ام انها حرب دينية وطائفية؟ ام انها كل هذه الامور مجتمعة؟

تركت لبنان مع زوجي وأولادي الاربعة على اثر قذيفة اصابت منزلنا، وتحديدا غرف الاولاد. كان الوقت ظهراً، كنا جميعاً في غرفة الطعام والحمدلله، وبعدها مباشرة قررنا ترك لبنان، ولو موقتاً، والابتعاد بالأولاد عن خطر هذه الحرب المؤذية، وكانت هجرة قسرية واضطررنا للابتعاد من الاهل. كل ذلك ترك اثرا مؤلما في نفسي ليتفجر الوعي في ما بعد ابداعات فكرية وشعرية وفنية، ولعل ديواني بتقاسيم على الجرح الشاهد الحي على معاناتي وتفاعلي مع هذا الواقع الجديد.

ثم بدأ القلق يتسرب الى نفسي، كيف سأحافظ على هوية اولادي؟ تاريخهم، جذورهم، حضارتهم، ثقافتهم، لغتهم، دينهم، انا المرأة الشرقية المسلمة والتي بدأت تواجه الحضارة الغربية بكل سلبياتها وايجابياتها، والبعيدة كل البعد عن تقاليدي وثقافتي. بدأت اطرح اسئلة حول حرية المرأة الغربية، وهل هذه الحرية اوصلتها الى شاطئ الأمان؟ ارعبني تفكك العائلة الفرنسية، يا الهي كيف سأحمي اطفالي؟ بدأت اعلمهم اللغة العربية، ومنعتهم ان يتخاطبوا باللغة الفرنسية على الاقل في المنزل، ثم تطورت الفكرة عندي فتحولت الى انشاء مدرسة ثانوية حضنت معظم ابناء الجالية اللبنانية والعربية، وخصوصا انني اجزم ان من لا يتقن لغته وحضارته، ويتعرف على تاريخه وجذوره، لا يستطيع ان يهضم او ان يستفيد من الحضارات الاخرى. ورغم الامكانات المحدودة في ذلك الوقت، استطعت ان اسس مدرسة ثانوية تعلم اللغة العربية ضمت نحو 600 طالب من مختلف الجنسيات العربية والفرنسية، وكان معظم الطلاب من اللبنانيين، بكل طوائفهم، ومما ساعدني ايماني الراسخ بالخطر الذي تتعرض له تربية اولادنا في الغربة، وبالاضافة الى كل هذه الهموم، كان عليّ ان اعمل لأساعد زوجي مادياً، وكان عليّ ان أكمل دراستي الجامعية، ومن هنا بدأ التحدي الكبير بكل اشكاله وألوانه، ونجحت والحمدلله. وما زلت اعمل ليلاً ونهاراً، وشاء القدر ان اتحمل مسؤولية العائلة معنوياً ومادياً، وما زلت انظر الى الحياة بإعجاب مستمر، وأصبحت اعرف كيف احول الألم فرحا والحقد محبة، والعمل المتواصل متعة رائعة.

• كيف تكتبين الشعر؟

كتابة الشعر بالنسبة الي مثل فريضة العبادة، كالصلاة تماماً، والشعر هو لحظة الوقوف مع الذات، لحظة الصدق، لحظة الحب والقلق العارم، هو نوع من الطقوس، هو مركب داخلي للحب، وباختصار هو بعرق من الدما؟ هو سمو ودخول الذات الى مكنونات شديدة القلق، شديدة العمق وشديدة السمو، ناتجة عن جمال تلك القوى العاطفية الانسانية الشفافة التي تنتابني لحظة ولادة القصيدة، حيث اصبح كثيرة الغوص في بحار الرغبة وتلافيفها، والوصول بها الى شكل لغوي صاف، واضح وعميق.

• كيف تُقيمين الاعمال الادبية؟ وأين تُصنفين نصك الشعري في خريطة الشعر العربي؟

بقدر ما يركز الكاتب الضوء على الجوانب الانسانية الكامنة في اعماق النفس، وبقدر ما يُغنيني العمل الادبي الذي اقرأه، وبقدر ما يُلامس هذا النص معاناتي الانسانية أُقيّمه.

اما بالنسبة الى شعري، فالقصيدة عندي هي نبض الحياة، هي لحظة الوقوف مع الذات، هي تفاعلي مع الواقع عبر النص والصورة الشعرية والخيال والموسيقى والرمز واللغة، حيث اللغة هي النبض الواقعي والحقيقي للقصيدة، اما كيف اصنف شعري، فهذا ما اتركه للقارئ وللنقاد.

• ثمة من لا يعترف بالأدب النسائي، كيف تردين؟

أنا ايضاً لا اوافق على تصنيف الادب نسائيا وذكوريا، لأن العمل الابداعي لا يتجزأ، ولا يُصنف على اساس جنس الكاتب، بل على اساس اصالته وأهميته وما يجد فيه القارئ ما تسمو به النفس، وما ينور العقل، فالابداع هو تفاعل انساني مع الواقع، سواء كان الكاتب من الذكور او من الاناث، ولكن من الممكن ان تكون هناك مواضيع بامكان النساء ان يُبدعن فيها اكثر من الرجل، وخصوصا بسبب معاناتهن الانسانية والاجتماعية، وهذا امر طبيعي.

• هل الرمزية في الادب العربي ضرورية، وهل اخذت اجواءها ام بقيت غائبة؟ وهل تعتبرين شعرك في صميم الحركة الرمزية؟

الرمزية ضرورة مُلحة في الادب العربي وخصوصا في ميدان الشعر، لكن ويا للأسف، هناك كتاب عرب خلطوا الرمزية بالمجاز، وظلت الرمزية في اعمالهم الادبية محصورة في لفظها لا في جوهرها، ولو عادوا الى تراثنا الثقافي القيّم، ورجعوا الى نصوص القرآن الكريم، لوجدوا ان الغموض والايحاء والايجاز موجودة في عمق النصوص.

وانطلاقاً من هذا الواقع، اجزم بان الرمزية في الادب العربي ظلت مُقصرة.

اما الرمزية في شعري، فاعتقد انني اتعامل معها بجدية وعمق، ذلك ان الرمزية عندي اقرب الى ملامح التصوف، هي طبع، وقد يأتي الإلهام في القصيدة من قلق النفس الذي يمتزج مع التصوف الانساني بكل مكنوناته.

• الابداع في حياتك متنوع ومتشعب، من القصيدة الى القصة القصيرة واللوحة الفنية والموسيقى والترجمة والابحاث العلمية والاجتماعية. اين تجدين نفسك اكثر؟

كل عمل ادبي يصدر مني هو حاجة مُلحة وضرورية بالنسبة الي، سواء كان نثرا او شعراً، خصوصا عندما يأتي تلقائياً اي بعفوية وشفافية. اعبر عبر هذه القوالب الابداعية المختلفة عن المكنونات الغنية والانسانية الموجودة في اللاوعي، فأرتاح مثلاً الى القصيدة لأنها قيمة انسانية كامنة في اغوار النفس، تخرج الى العلن بواسطة اللغة، فتسمو بي، وتثير مشاعري وتجنح خيالي تماماً كاللوحة واللون واللحن، بينما القصة القصيرة تعكس الادب المستوحى من صميم الواقع الذي نعيشه، عدا عن كونها ابداعاً في ذاته، وهي رسالة تركز الضوء على الحقيقة وعلى المجتمع من جوانبه الانسانية. لذلك اعترف بان كل اعمالي ضرورة مُلحة، كالغذاء والماء والهواء والحب.

• ما رأيك بأعمالك؟

لم اكتب حرفاً واحداً في حياتي الا مرّ من دفق القلب وعمق الشرايين ومرارة المعاناة، قبل ان تتلقفه اللغة والقالب الادبي، ويخرج الى العلن، ربما لأن مشاعري الانسانية نضجت بحنان عارم وطفولة سعيدة، الى جانب قلق الروح والجسد. فكيف يمكنني ان انظر الى اعمالي الادبية القديمة او الحديثة الا كالأم التي تنظر الى اولادها من صغيرهم الى كبيرهم تلك النظرة المتساوية العارمة بالحب والرعاية.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا