| د. صباح السويفان |


إضاءات / مرشد سعد البذال ... شاعر التسامح والوطنية

  • 08 مارس 2015 12:00 ص
  •  24
تصدمني في الكثير من الأحيان ما آلت إليه القصيدة العربية على وجه العموم والكويتية على وجه الخصوص في الوقت الراهن... من ضعف في المضمون والشكل... وأقول تصدمني وأنا أقرأ وأتابع، بصفتي الأكاديمية نتاجات الشعراء في الكويت وخارجها، سواء على مستوى الشعر الشعبي أم الفصيح، فأرى- في ما يرى المصدوم- قصائد تخلت عن أدواتها الشعرية، وتمادت في إما التبسيط لدرجة الابتذال أو التعقيد لدرجة الغموض غير المبرر، كما غلب على قصائد الشعر النبطي- على وجه الخصوص- الأسلوب الغزلي، الذي لا يحمل أي معنى يخدم المجتمع، باستثناء شعراء شباب نعتز بهم ونفخر بوجودهم على الساحة وهم قلة- للأسف- وهذا ما يدفعني إلى الهجرة- عبر الزمن- إلى شعرائنا الكبار الذين رحلوا عن دنيانا، أو الذين ما زالوا يعيشون بيننا ونعتز بهم وبقصائدهم، وندعو لهم بطول العمر.

وهروبي هذا... هو عزائي الوحيد في التعاطي مع الشعر والاستمتاع بروعة القصيدة العربية في شكليها الفصيح والنبطي «الشعبي».

ومن هؤلاء الشعراء الذين ألجأ إليهم- في هروبي عبر الزمن- الشاعر الكويتي الأصيل مرشد سعد البذال- شاعر الجيلين- الذي نرى فيه القدوة والعبرة للشعراء الشباب الذين يريدون أن يقدموا قصائد مفيدة لمجتمعهم، فهو شاعر كان له دور مهم في مجتمعه من خلال ما قدمه من قصائد نبطية، تحدثت عن المجتمع في معظم حالاته وأحواله، وقصيدته الخالدة «الرجال طيور» هي أقرب مثال على ذلك.

وومن ثم فإن قراءة قصائد البذال... متعة لا تضاهيها متعة، بسبب انتماء مواضيعها إلى ما نطلق عليه الأدب الشعبي الراقي، ذلك الأدب الذي يتحدث بلهجة العامة وفي الوقت نفسه لديه قدرة مذهلة على التأثير على وجدان المتلقي، والإتيان بمعاني راقية، تهز المشاعر وتجعل الذهن في تفكير دائم.

وتعد قراءة ودراسة شعر مرشد البذال قيمة للمهتمين سواء بالشعر الفصيح أو الشعر الشعبي، وذلك لأن البذال- رحمه الله- كان يكتب من منظور شاعر مثقف لديه الإلمام الكافي بما يحتاجه المجتمع وما لا يحتاجه، وما يميل إليه وما يلفظه.

لذا جاءت قصائد البذال في كافة الأغراض الشعرية من نصيحة وإرشاد ومديح وغزل ورثاء وخلافه، وكل هذه الأغراض كانت تأتي بلغة شعرية قريبة جدا من المشاعر الإنسانية الصادقة.

ففي النصيحة نقرأ للبذال قوله:

راع الظليمـه لا تباطـى مطيـحـه

والناس هذا الناس من عصر ذالنون

وكلن على دربـه ركابـه مشيحـه

مقرود يامن بـدل اللـون باللـون

بعض الكلام يحرفه عـن صحيحـه

والصدق هو والكذب ماهو بمقرون

ويقول أيضا:

شف ماترى ياقلب واكتـم سـدودك

عن واحد ياخذ سـدودك ويشنـاك

خلك على الدنيا تعيـش بسعـودك

مالك غرض في عرف هذا وهذاك

وسنجد المتعة الحقيقية والفخر والاعتزاز بالوطن ونحن نقرأ قصائد البذال التي دافع بها عن الكويت دفاع الفرسان الأقوياء، ومن ثم علينا أن نقرأ هذه الأبيات للبذال لنتأكد من قوة البلاغة والتصوير والوطنية فيها:

لا تحسبون ان الكويت مغفله

ما مرها شعف يهز اطنابها

كم من زعيم قد تحدي دارنا

لا شك فعل رجالها عيابها

لولا الحرايب ما كسبنا سمعه

ولا نشرنا بالمجال خطابها

بالطبع ما أشرت إليه من أبيات شعرية هي غيض من فيض... أتحفنا به الشاعر الكويتي الكبير مرشد البذال، الشاعر الذي لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا وذكرها في شعره... فهو الناصح لاتباع منهج التسامح والسلام والحب، والداعي إلى أن يبذل الغني من ماله لمساعدة الفقراء، والمدافع عن وطنه الكويت، والشاعر الذي كتب أروع قصائد الغزل مثل قصيدة «البارحة جاوبت لي حس عاوي» والتي تعتبر من أجمل قصائد الغزل في تاريخ الخليج والجزيرة العربية، كما كتب في وصف الطبيعة، وكرمته الكويت بإطلاق اسمه على إحدى مدارس المرحلة الثانوية.

إنه فخر الأدب الشعبي... والإنسان الذي جعل من شعره أداة لتحقيق أمنيات المجتمع، والفارس الذي له مواقفه الوطنية الواضحة، والقدوة للشعراء الشباب الراغبين في أن يسجل لهم التاريخ نبوغهم في كتابة قصائد تكون عونا للمجتمع، في مواجهة الصعاب.

إن الحديث عن الشاعر الكبير مرشد البذال لا ينتهي... لذا ستكون لنا وقفة أخرى معه في الأيام المقبلة.

* رئيس تحرير مجلة «البيان» وأكاديمي بجامعة الكويت

alsowaifan@yahoo.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا