حيدر توفيق


الصين ... وتهديد الاقتصاد العالمي

رأي مالي
واجه الاقتصاد العالمي خلال السنوات الماضية ولا يزال، العديد من التحديات والصعوبات التي تثير المخاوف، ويتساءل الاقتصاديون والمستثمرون وكافة المعنيين بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية في المرحلة الحالية، عما إذا كان يجب القلق من التباطؤ الاقتصادي في الصين، أو من الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية أو من الانخفاض الحاد في أسعار النفط. تثير أحدث البيانات الاقتصادية التي نشرتها السلطات الصينية خلال الأسابيع الماضية مخاوف حقيقية، وهي بيانات غير مشجعة على الإطلاق.

لقد عانى الناتج القومي الإجمالي الصيني من ضعف على مدى السنوات القليلة الماضية، ووفقاً للبيانات الرسمية فإن هذا الناتج كان يتراجع بنسبة تتراوح بين 0.1 و 0.3 في المئة كل ربع.

ويبدو أن الجهات المعنية تتعامل مع هذه البيانات بشكل دقيق وبحساسية كبيرة، من أجل عدم التسبب بأي حالة فوضى في السوق، ولن يكون مفاجئاً بالنسبة لنا إذا اكتشفنا في مرحلة لاحقة أنه كان يتم إعداد وتصميم هذه البيانات والتلاعب بها من قبل السلطات المعنية.

إلا أن أكثر ما يثير القلق هو الانكماش الذي يترسّخ هناك، ونحن نعتقد أن الانكماش في الصين سيلحق أضراراً بكافة الاقتصاديات في مختلف أنحاء العالم، لكننا نأمل ألا تبدأ الصين بتصدير الانكماش إلى بقية العالم.

لقد كانت ردة فعل الحكومة الصينية سريعة بحيث عملت على خفض أسعار الفائدة، ونحن على ثقة أن المسؤولين الصينيين سيبذلون المزيد من الجهود، وسيعملون بالتأكيد على اتخاذ بعض التدابير الأخرى.

لقد أنفقت السلطات الصينية 600 مليار دولار من أجل دعم البورصة، ولكن للأسف لم تكن النتائج إيجابية وذهبت كل هذه الأموال هباء، وكانت الحكومة الصينية تقاوم تخفيض قيمة عملتها الوطنية.

ولكن كما هو الحال في أي اقتصاد موجّه، فإن الصين تقوم بذلك خطوة خطوة ووفقاً لوتيرتها الخاصة، ويعتبر تخفيض قيمة العملة الوطنية أحد الحلول الاقتصادية لمواجهة الانكماش.

وفي الوقت الذي تعاني فيه الصين من ركود في سوق الإسكان، كان معظم منافسيها الآسيويين مشغولين بتخفيض قيمة عملاتهم، ولأن الاقتصاد الصيني ليس اقتصاداً مفتوحاً، فإنه سيكون من الصعب على المراقبين الأجانب تكوين صورة حقيقية ودقيقة حول حدة الأزمة.

إن الغالبية العظمى من البنوك الكبرى في الصين هي مصارف حكومية، تُدار من قبل أعضاء المكتب السياسي، وتعاني بعض الصناعات المملوكة للدولة مثل المرافق العامة، والسكك الحديدية والمنشآت من ركود حقيقي.

وشهدت اليابان مثل هذا النوع من التباطؤ الكبير في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، عندما كانت تعيش طفرة اقتصادية ضخمة يقودها قطاع البناء وبتمويل من ائتمان رخيص جداً.

ومازالت اليابان تعاني من الكساد الذي أعقب هذا الازدهار، ومن سماحها للانكماش بالترسّخ في اقتصادها، إن هذا الانكماش المفتعل هو ما يجب أن نقلق منه فعلاً، فعندما تبدأ أسعار المستهلكين، وتكاليف الاستثمار وأسعار التصدير بالانخفاض في ثاني أكبر اقتصاد مصدّر في العالم في الوقت نفسه لا بد من أن يساورنا القلق.

وينبغي على بقية دول العالم التنبّه تماماً لهذه التطورات، واتخاذ تدابير صارمة لمنع اقتصادياتها من استيراد الانكماش، ويجب على أوروبا، وبدرجة أقل الولايات المتحدة، الاستعداد والتأكد من عدم تخلّف اقتصادياتها عن استحقاقات الديون.

لقد كان انهيار بنك ليمان براذرز من الأسباب الرئيسية التي تسببت باندلاع الأزمة المالية في عام 2008، ويتمثل الخطر الأكبر من وجهة نظرنا في الوقت الحاضر في اندلاع أزمة مالية جديدة على خلفية إفلاس بعض الدول، ولا نرى إمكانية لحدوث مثل هذا الانهيار، ولكن المخاطر موجودة ويجب عدم تجاهلها.

وأصبح الاقتصادان الصيني والهندي تنافسيين للغاية، ويستمران بالتطور بسرعة كبيرة، الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً لقطاع التصنيع في الولايات المتحدة وأوروبا، إذا أصبح الأمر أكثر صعوبة فمن الممكن أن نشهد انهياراً في الأسعار مع تأثير انكماشي كبير للمستهلكين.

وتشكو بعض الصناعات مثل إنتاج السلع الكهربائية والإلكترونية، وقطاع صناعة السيارات من زيادة الإنتاج وضعف الأسعار، وهو ما يعيدنا بالذاكرة مرة أخرى إلى تجربة اليابان مع الازدهار والكساد.

إن هذه المشاكل ليست حادة بدرجة تدعو إلى القلق، ولكنها تحتاج إلى عناية فورية، وينبغي على زعماء دول مجموعة العشرين التعاون مع بعضهم البعض، والعمل على وضع تدابير لمنع انكماش عالمي انطلق من الصين.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا