البيع المكثّف للسندات ... مؤشر سلبي

رأي مالي
شهدت أسواق السندات العالمية أخيراً عمليات بيع مكثفة للسندات الحكومية للدول المتقدمة بلغت نحو 2 في المئة من إجمالي هذه السندات، وهي عمليات أدت إلى محو مليارات الدولارات في غضون فترة قصيرة من الزمن.

وقد شهد العالم عمليات بيع مكثّفة للسندات في بداية العام الماضي، وهو ما تسبب كما هو الحال الآن، في خسائر بمليارات الدولارات غير أن الخطوات التي اتخذتها البنوك المركزية في ذلك الوقت ساهمت في وضع حد لعمليات البيع هذه.

ويبقى من غير المرجح أن تعمل البنوك المركزية حول العالم على اتخاذ الإجراءات نفسها التي قامت بها العام الماضي. لقد جاءت عملية التصحيح في أعقاب الارتفاع الأكبر والهائل في أسعار السندات الحكومية في بلدان العالم المتقدم، مدفوعاً بعمليات شراء كبيرة للسندات من قبل معظم البنوك المركزية. كما أن المخاوف من الانكماش، وتباطؤ الاقتصاد العالمي شكلا عاملين إضافيين لدفع معظم المستثمرين في جميع أنحاء العالم للقيام بعمليات شراء موسعة لهذه السندات.

ووصلت عوائد بعض السندات الحكومية في الآونة الأخيرة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وهو ما أدى إلى دق ناقوس القلق بين المستثمرين الرئيسيين. لقد شهد العالم خلال الآونة الأخيرة الكثير من التعليقات والتحذيرات بشأن العائدات المنخفضة أو السلبية على بعض السندات الحكومية، ومنها سندات دول منطقة اليورو واليابان، وهي المعدلات التي لا يمكن تحمّلها.

لقد جاءت عمليات البيع المكثّفة الأخيرة على خلفية مجموعة من العوامل المهمة التي لا نوافق عليها، ولكنها على الرغم من ذلك تسببت بعملية التصحيح هذه.

أولاً، أدى الارتفاع الأخير في أسعار النفط والسلع الأساسية لاعتقاد غير واقعي بين حملة السندات بأن الارتفاع في أسعار السلع، بما في ذلك النفط والنحاس، سيشكل مؤشراً على نهاية موجة التضخم العالمية. وكان الانخفاض الحاد في أسعار النفط حافزاً لإثارة المخاوف بشأن معدل التضخم المنخفض وحتى الانكماش في بداية العام. وبدأت هذه بالانتعاش الآن ومعها التوقعات بشأن التضخم. نعتقد أن عمليات البيع المكثفة هي جزء من عملية إعادة تسعير ثابتة بشأن مخاطر التضخم في المستقبل. أما بالنسبة لمستثمري السندات، فإنه لا يهم إذا كان انتعاش أسعار النفط والسلع الأخرى هو انتعاش تقني، ولكن سيكون له تأثير في المستقبل على التوقعات المستقبلية للتضخم. ومع ذلك، فإننا نعتقد أن العوامل الأساسية لا تبرر الارتفاع الأخير في أسعار النفط والسلع الأساسية.

إذا بدأت التوقعات المستقبلية للتضخم بالارتفاع، فإن عمر برامج التيسير الكمّي وعمليات شراء السندات التي تقوم بها البنوك المركزية، بما في ذلك بنك اليابان المركزي والبنك المركزي الأوروبي، قد تكون قصيرة.

في المقابل، فإن أي وقف لبرامج التحفيز النقدي قد يعني بدء أسعار السندات بالانخفاض على خلفية تراجع الطلب.

ثانياً، هناك احتمال أن يبدأ مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي في نهاية المطاف برفع أسعار الفائدة لتطبيع منحنى العائد. وقد جرى تأجيل محاولات القيام بذلك بشكل مستمر بسبب البيانات الاقتصادية الضعيفة والقلق بشأن وضع الاقتصاد العالمي. إننا نعتقد أن بدء السوق بعمليات البيع اعتماداً على ارتفاع معدل التضخم في المستقبل بسبب ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية قد يدفع «الفيديرالي» إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى قريباً.

نحن على ثقة من أن رئيسة المجلس جانيت يلين مدركة للمخاطر. ولكي نكون منصفين معها فقد واظبت السيدة على التحذير من أن أسواق السندات قد تواجه عملية تعديل «حادة» عندما يرفع المجلس أسعار الفائدة لاسيما بالنسبة للسندات ذات الأجل الأطول.

ثالثا، نعتقد أن المستثمرين في السندات يفقدون الثقة بسجل البنك المركزي الأوروبي الخاص بالنمو الاقتصادي وتوقعات التضخم. فلا يمكن للمركزي الأوروبي التباهي بسجله في ما يتعلق بأخطائه على صعيد السياسات النقدية، وخير دليل على لك رفعه لأسعار الفائدة في عامي 2008 و2011، في وقت اعتبر الكثيرون أن مثل هذه الخطوة كانت خاطئة، ما أدى إلى اشتعال أزمة الديون في منطقة اليورو.

ويساور الآن بعض المستثمرين القلق من أن البنك المركزي الأوروبي قد يرتكب خطأ آخر في حال قام بإنهاء برنامجه للتيسير الكمّي وشراء السندات في أقرب وقت تظهر فيه مؤشرات على ارتفاع التضخم، وهو ما سيؤدي إلى عمليات بيع مكثفة للسندات في جميع المجالات.

وإذا انتهى البرنامج التحفيزي في وقت أقرب مما كان متوقعاً، فإنه يمكن لذلك أن تكون له تأثيرات على سندات الخزانة الأميركية. كما يمكن أن يجعل الأسواق الناشئة عرضة للخطر. في الواقع، إن القيام بمثل هذه الخطوة في وقت مبكر ومن دون أسس قد يعرّض الأسواق المالية العالمية للكثير من المشاكل، على غرار الاضطرابات التي واجهتها هذه الأسواق عندما أشار مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي في صيف عام 2013 إلى عزمه تقليص حجم برنامجه لشراء الأصول.

وأخيراً، لا يتمثل قلقنا الأكبر فقط في المستوى المنخفض جداً أو السلبي للعائد على بعض السندات الحكومية، ولكن أيضاً حول ضحالة السوق في الآونة الأخيرة. لقد تم استبعاد العديد من صنّاع السوق الذين جعلوا من عمليات تداول السندات عملية سهلة بسبب التشريعات واللوائح التنظيمية التي فرضت عليهم عدم المخاطرة.

وقد أصبح سوق السندات في ظل غياب هذه المصارف الضخمة أكثر ضحالة، ما يعني أن الصفقات الصغيرة يمكن أن تؤثر على السوق بأكمله. إن حجم المناورة في تحريك السوق أصبح ضيقاً، وبالتالي يمكن لتراجع السيولة أن يجعل من عمليات البيع المكثفة مسألة صعبة جداً بالنسبة لحاملي السندات.

نحن نعتقد أن سوق السندات سيستمر بالمعاناة من مثل هذه الحوادث الصغيرة حتى يكون هناك تأكيد من أن التضخم لم يعد يشكل تهديداً، أو مؤشرا مفاجئا للتضخم يسبب هزة للعوائد حتى تصل الأسعار إلى مستويات عادية.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا