الفيديرالي والقلق من الأوضاع

رأي مالي
أصبح البنك المركزي الأكثر نفوذاً في العالم، بعد طول انتظار، متنبها أكثر لوضع الاقتصاد العالمي، وبدأ بأخذ التطورات الاقتصادية العالمية بعين الاعتبار أكثر فأكثر عند اتخاذه أي قرارات تتعلق بسياساته النقدية.

ويُعتبر هذا الأمر تحولاً تاريخياً في نظرة مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي للاقتصاد العالمي وتعامله معه، ولم يعد بإمكان الفيديرالي الأميركي تجاهل الأسواق المالية العالمية التي تعيش باستمرار على وقع القلق والتوتر، في سبيل المحافظة على الوضع الجيد للاقتصاد الأميركي، في الوقت الذي قد يتسبب فيه السماح باستمرار وضع هذه الأسواق على حاله في انتكاسة للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، وتباطؤ وتيرة التوظيف في القطاع الخاص.

ويمكن أن تؤدي مثل هذه المخاوف بسهولة إلى استبعاد أي زيادة أخرى في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في المستقبل القريب.

ويجب على الحكومات والبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، الإشادة بالعمل المميز الذي قام به مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، والذي يستمر في القيام به منذ الأزمة المالية التي ضربت العالم في عام 2008. وأحرز الاقتصاد الأميركي منذ ذلك التاريخ تقدماً مستمراً، لكنه يواجه الآن مخاطر أعلى بكثير من تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين وبعض الشركاء التجاريين المهمين الآخرين للولايات المتحدة.

وتعرف الأسواق المالية العالمية خطرا آخر أكبر، فقد أصبحت الظروف المالية العالمية أقل تكيفاً في دعم النمو الاقتصادي، وعلى الرغم من أسعار الفائدة المنخفضة جداً التي تصل في بعض الحالات إلى معدلات سلبية، فإن أسواق الأسهم العالمية أصبحت متقلبة جداً خلال الأشهر الأخيرة التي شهدت ارتفاع تكلفة الائتمان للمقترضين أصحاب المخاطر العالية.

وإذا استمرت كل هذه التطورات الأخيرة، فإنها قد تؤثر على التوقعات المستقبلية للنشاط الاقتصادي العالمي وسوق العمل، على الرغم من أن الانخفاض في أسعار الفائدة على المدى الطويل، وتراجع أسعار النفط يوفران راحة كبيرة على الأقل على المدى القصير.

ولم يتراجع مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي تماماً عن فكرة الزيادة التدريجية في أسعار الفائدة، في الوقت الذي أشار فيه إلى التحسن المستمر في سوق العمل في الولايات المتحدة، وارتفاع معدلات التوظيف، كما أنه من المتوقع أن تؤدي السياسات النقدية التحفيزية خارج الولايات المتحدة إلى انتعاش النمو الاقتصادي العالمي.

ونحن نعتقد أن تحولاً تاريخياً حصل في مجال وضع مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي لسياساته النقدية، ويبدو أنه لم يعد بمقدور الفيديرالي الأميركي تجاهل الأحداث الاقتصادية والمالية العالمية عندما يتعلق الأمر بتحديد سياسته النقدية.

ويعود السبب في ذلك إلى أن الصين ومنطقة اليورو قد أصبحت عنصراً مهماً وكبيراً جداً في الاقتصاد العالمي.

إن ضعف النشاط الاقتصادي سواء في الصين أو منطقة اليورو، يمكن أن يكون له تأثير كبير على الاقتصاد الأميركي، فمعظم الشركات الأميركية متعددة الجنسيات هي لاعب كبير في الاقتصاد العالمي.

وأشاد الاحتياطي الفيديرالي الأميركي بقراره رفعَ أسعار الفائدة بمقدار 0.25 في المئة، معتبراً أنه دليل على التقدم الذي أحرزه الاقتصاد الأميركي منذ الكساد العظيم، ولكنه الآن قلق للغاية حول وضع الاقتصاد العالمي.

ولم تشهد الأسواق المالية العالمية منذ ذلك الحين بداية متقلبة جداً لتداولات العام، بالتزامن مع انهيار أسعار السلع الأساسية، والانخفاض الحاد في أسعار النفط، والمخاوف بشأن النمو الاقتصادي في الصين، إلى جانب القلق بشأن قدرة البنوك المركزية على الاستمرار في دعم النمو.

وأدت التطورات التي عرفها الوضع الاقتصادي العالمي إلى احتدام النقاش بين الاقتصاديين، حول إمكانية دخول الاقتصاد الأميركي في ركود.

ودفع هذا الأمر ببعض الاقتصاديين إلى انتقاد مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، لاتخاذه في شهر ديسمبر الماضي قراراً بتشديد سياساته النقدية. وتراجع بشكل حاد في الآونة الأخيرة منحنى العائد على سندات الخزانة الأميركية، الذي يؤخذ دائماً كمؤشر على حالات الركود، مع انخفاض الفارق بين العائد على سندات العامين والعشر سنوات إلى ما دون نقطة مئوية واحدة للمرة الأولى منذ يناير 2008.

إن وجود منحنى غير متغير أو مقلوب على سندات الخزانة الأميركية لعامين وعشر سنوات، عادة ما يكون مؤشراً على توقع المستثمرين لركود مقبل في الاقتصاد الأميركي.

ويولي مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي اهتماماً كبيراً لوضع الاقتصاد الصيني بما أن الصين، التي تعتبر صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، هي الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة. ويعتبر الفيديرالي الأميركي الصين عامل خطر مركزي، إذ لا تشير المؤشرات الاقتصادية الصينية التي صدرت أخيراً إلى تباطؤ حاد في نمو الاقتصاد الصيني، ولكن الانخفاض في قيمة العملة الصينية زاد من حالة عدم اليقين بشأن سياسة سعر الصرف في الصين وآفاق اقتصادها.

ونظراً للوضع الصعب الذي يشهده الاقتصاد العالمي، وتخفيض كل من بنك اليابان المركزي والبنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة إلى معدلات سلبية، تساءل بعض الاقتصاديين عمّا إذا كان على مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي اتباعَ خطوات اليابان والبنك المركزي الأوروبي، وخفضَ أسعار الفائدة إلى معدلات سلبية. لا شك أن عدم رفع الفيديرالي الأميركي لأسعار الفائدة خلال الأسبوع الماضي، دليل على حالة القلق التي تسود أجواء المجلس، إلا أنه لا توجد إمكانية في الوقت الحاضر في أن يقوم الاحتياطي الفيديرالي الأميركي بعكس القرار الذي اتخذه في شهر ديسمبر الماضي والقاضي برفع أسعار الفائدة.

وأشار الاحتياطي الفيديرالي إلى أنه يبحث دائماً ويستكشف الإمكانيات المتاحة، في إطار عمليات التخطيط الحكيمة، كما قال إنه ليس على علم بأي شيء من شأنه أن يمنعه من خفض أسعار الفائدة إلى معدلات سلبية في الولايات المتحدة، ولكن البنك المركزي لم يبحث بشكل كامل المسائل القانونية المتعلقة بذلك.

ويسير النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة في الوقت الراهن على الطريق الصحيح، ويمكن أيضا أن يتجاوز توقعات مجلس الاحتياطي الفيديرالي، على افتراض بقاء أسعار النفط منخفضة لبعض الوقت، ما يعني تقديمها الدعم المستمر الذي يتوقعه البنك المركزي للمستهلكين، وعلى افتراض عدم تعثر النشاط الاقتصادي العالمي فجأة أيضاً، لكن تبقى فرص هذين العاملين في الحقيقة غير مشجعة.

ولا يعد وجود أسعار فائدة سلبية مؤشراً إيجابياً، وهي أمر سيئ بالنسبة للبنوك والمدخرين على حدٍّ سواء، وبالنسبة لأي شخص آخر يملك أرصدة نقدية.

إن الفائدة السلبية تعطي المستهلكين والشركات انطباعاً بأن البنوك المركزية تتوقع تدهور الأنشطة الاقتصادية أو أي وضع أسوأ، لكننا نعتقد أن النقد مازال الأفضل سواء كان ذلك في بيئة تسودها أسعار فائدة منخفضة جداً، أو معدلات فائدة سلبية.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا