رؤى / واقعية نجيب محفوظ

  • 05 يونيو 2011 12:00 ص
  •  24
| لطيفة جاسم التمار * |

آثر نجيب محفوظ اختيار الواقعية عنوانا لبعض رواياته، ويقول في ذلك «أعلم أنني أكتب أسلوبا أقرأ نعيه بقلم فرجينيا وولف، ولكن التجربة التي كنت أقدمها كانت في هذا الأسلوب»، وكان الغرب يكتظ بالواقعية ومتشبعا منها وينتقل إلى أساليب أخرى أكثر تقدما،على الرغم من هذا اختار محفوظ هذا الأسلوب وعمل من أجله لقلة وجوده في الشرق. وهذه هي آلية التطور فالغرب كان ومازال متطورا وأسلوب تطوره يصل إلينا بعد التشبع منه في الغرب. وبهذا كانت الواقعية أسلوبا نوعا ما يعتبر جديدا على الوطن العربي بينما هو مكتظ في أوروبا.

استخدم محفوظ الأسلوب الواقعي في رسم أعماله الروائية ابتداء بـ «القاهرة الجديدة» حتى «السكرية»، وهنا يكون محفوظ قد حفر اسمه ليكون أحد أعمدة الأسلوب الواقعي بالوطن العربي، وجزءا من الاتجاه الواقعي في الرواية العربية. وغالبا ما كان محفوظ مرتبطا بهموم الطبقة الوسطى وما تعانيه من مشاكل وانحرافات. ربط محفوظ الأسلوب الواقعي بأعماله الروائية من خلال المنحى الاجتماعي.

ومن المآخذ التي اتخذت على محفوظ أن أعماله الواقعية التي بدأ بها مثل- القاهرة الجديدة- هي من أضعف إنتاجاته فشخصية البطل كانت شخصية مستوية ينقصها التطور وبذلك كانت الرواية ضعيفة من الناحية الفنية، أسهم المجتمع الفقير والمعدم في الرواية في نشأة البطل تلك النشأة السلبية، فحياته مليئة بالفقر والهوان، كما أن الضغوط على شخصية البطل جعلت من الشخصية غير متوازنة مع مجتمعها، مما جعل الفجوة تنشأ بين الشخصية والمجتمع.

عتبة العنوان المسمى بالقاهرة الجديدة، لم يكن موفقا في نظري وكأنها قاهرة نشأت للتو ومقتصرة على الأغنياء والمرتشين، لكن هذا ليس كل القاهرة بل فئة محدودة منها، ومن الواجب هنا عدم التعميم. وذكر الفئة الكبيرة من المهمشين والفقراء والطبقة الوسطى على سبيل تنوع المجتمعات الإنسانية في متن الرواية.

يتكرر الأسلوب الواقعي عند محفوظ فنجده ينتج رواية «خان الخليلي» في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، تتشكل أحداث الرواية من أزمة الحرب الطاحنة والتي هزت المجتمع المصري بأكمله، فالحدث مأخوذ من وقف إطلاق النار وما تبعه من المعاناة الإنسانية التي يشعر بها بطل العمل من قهر وألم، وآمال ضائعة لا يمكن الوصول إليها. من الملحوظ هنا أن المجتمع المصري في القاهرة الجديدة هو نفسه في خان الخليلي وإن اختلفت التفاصيل. أما الرواية الثالثة «زقاق المدق» فهي الرواية الثانية والتي تتعرض أحداثها لفترة الحرب، فالزقاق مجتمع مصغر لمجتمع أكبر وهو المجتمع المصري بكل طوائفه، فنشاهد القسوة والانحلال الخلقي بسبب المأساة وفقر المجتمع. من الملاحظ من خلال عرض الروايات الواقعية السابقة الذكر تركيز الكاتب على ضنك الحياة والتي قاسى منها المجتمع المصري في فترة الحرب والفترة التي تبعتها، مما أدى إلى نشوء مشكلات عديدة عرضها الكاتب رغبة منه في التخلص منها، أيضا نلاحظ تدرج محفوظ في كتابته ابتدأ بالأسلوب الواقعي التحليلي، ثم اتجه إلى الأسلوب النفسي بعد هذه التجارب المثيرة. وبذلك أصبح محفوظ أحد أبرز كتاب الرواية في العلم العربي والغربي على السواء، واستحق جائزة نوبل عن جدارة.



* ماجستير أدب عربي

Latifa-altammar@hotmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا