رؤى / رادوبيس

  • 11 فبراير 2013 12:00 ص
  •  22
| د. لطيفة جاسم التمار |

نجيب محفوظ... اسم لمع في عالمنا الروائي في بداية القرن الفائت، أسس الرواية الحديثة في الوطن العربي فكان ما قبله من محاولات مجرد ارهاصات بداية هذا الفن الحديث نوعا ما، صاحبه انتاج غزير كتب في الرواية التاريخية، و الرمزية، والواقعية مبتكرا أسلوبا جديدا راقيا في لغته وأسلوبه. استطاع أن يقدم للمتلقي صورا ونماذج عديدة تمثل الانسان العربي والمصري بخاصة من خلال مرآة عمله الروائي التي عرض فيها لعوالم هذا الانسان المختلفة والمتناقضة في دراسة النفس البشرية وتحولاتها المختلفة. من أبرز أنواع الروايات التي ابتدأ بها محفوظ عمله الروائي هي الرواية التاريخية والتي اعتبرها لوكاتش من أهم سمات المنهج الواقعي وضمها له، يقول في هذا المقام: «ان ما يهم في الرواية التاريخية ليس اعادة سرد الأحداث التاريخية الكبرى، بل ابراز الايقاع الشعري لحيوات الناس الذين يشكلون تلك الأحداث». اهتم محفوظ بكنوز التاريخ الفرعوني واستشعر منها أعمال عدة في بداية مشواره الفني، كتب ثلاثة أعمال روائية في هذا الجانب:رواية عبث الأقدار1939، ورادوبيس 1943، وكفاح طيبة 1944، ثم نراه يتجه بعد ذلك الى الجانب التاريخي المعاصر في رواياته الاجتماعية، ونحن في هذا المقال سنعرض لعمله التاريخي الفرعوني «رادوبيس» فهو عمل خيالي يجسد التاريخ الفرعوني الحي بكل مآثره، البداية تكون بلقاء أقطاب الرواية: الملك الفرعوني الذي يشهد عيد النيل و«رادوبيس» أجمل جميلات النيل ومبتغى الكثير في لقاء الصدفة، ويشرع الهوى بينهما. يقدم محفوظ منذ البداية في سطور قليلة كل صفات الفرعون اذ لا يترك للمتلقي أن يكتشف ما يتحلى به الفرعون من مزايا وعيوب، ثم يبرز الاصطدام الواقع بين الفرعون وكبير الكهنة ليشكل حبكة الرواية لديه، بعدها ترتكز الرواية على عشقه للفاتنة «رادوبيس»، وتعرض الرواية من خلال أحداثها حب الفرعون للمال والهوى وظلم الآخرين ليستولي على خيرات الناس بغير وجه حق، كل هذا من أجل أن يضع المال تحت قدم معشوقته، ثم تأخذ الأحداث منحى آخر في خيانة الجيش له وتنتهي الأحداث الدرامية دامية في مقتل الفرعون على يد الثوار وانتحار «رادوبيس». رأى بعض النقاد أن للعمل اسقاطات رمزية على تاريخ مصر وحقبة الملك فاروق وما يتمتع به من صفات مشابهه للفرعون في الرواية، لكن محفوظ رد قائلا: ان هذه الاسقاطات خضعت لعنصر المصادفة وهو خاصية مفعلة في الدراسات الأدبية، وأنا أرى أنه كان يرمز بشكل غير مباشر لحياة القصور والملك في تلك الفترة من تاريخ مصر الحديثة ومدى الجبروت والطغيان الذي كان يميز شخصية فاروق غير المتوازنة، وظلمه للطبقات الفقيرة وطبقة الفلاحين واتخاذهم عبيدا له. هنا نعود الى ما قاله لوكاتش في البداية ان التاريخ هو جزء لا يتجزأ من الواقع. الوقفة الأخرى والتي برزت في مجريات العمل الروائي هي التنازع الواضح بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في مصر القديمة هي ذاتها على مصر الحديثة، وما يحدث الآن في عصرنا الحالي، خصوصا بعد ثورة يناير وما يظنه البعض من استيلاء الأخوان على حكم مصر، هذا يعيدنا الى ما قاله محفوظ عن عنصر المصادفة قائلا: «انها توحي بأن ما نقرأه ليس الا حياة حقيقية، لأن الحياة الحقيقية لا تخلو من المصادفات؛ لهذا هي جزء لا يتجزأ من العمل الفني».



* دكتوراه في الأدب العربي الحديث

Latifa-altammar@hotmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا