الكويت - ا ف ب - كشف السائق الالماني ميكايل شوماخر مطلع 2009 بأنه اخذ على محمل الجد فكرة العودة الى حلبات فورمولا واحد مرتين منذ اعتزاله بنهاية 2006 وفي حوزته سبعة القاب (رقم قياسي).
وكان «شومي» نفسه قاب قوسين او ادنى من عودة فعلية العام الماضي لتعويض ابتعاد زميله السابق في فيراري، البرازيلي فيليبي ماسا، اثر تعرض الاخير لاصابة خطيرة في الرأس بيد ان اصابة «بروم بروم» السابقة في العنق خلال مشاركته في احد سباقات الدراجات النارية، وامكان تأثيرها سلبا عليه حالا دون اتمام الخطوة الموعودة.
وهذا يعني بأن شوماخر، ربما، اراد في ثلاث مناسبات فقط الرجوع الى الساحة التي عرف فيها المجد والشهرة، بيد ان واقع الامور يشير بما لا يدع اي مجال للشك بأنه ما اراد يوما رمي قفازيه جانبا والابتعاد عن المضمار الذي احب، وها هو اليوم يعود بقوة مع فريق «مرسيدس جي بي» بحثا عن لقب عالمي ثامن متحدثا عن جهوزيته لتتويج اضافي: «بالطبع، نعم»، مشيرا الى انه السائق الذي يتوجب على الاخرين ان ينافسوه.
واعترف شوماخر بأن المراحل الاولى من البطولة حساسة جدا، «لكن لمعرفة ما اذا كنا سنفوز في النهاية، فهذه مسألة أخرى كما هي الحال دائما في الرياضة».
حتى ان شوماخر ابرم اتفاقه مع الحظيرة الالمانية لارتداء زيها لثلاثة مواسم، ما يشير الى نية لديه في تعويض رغبة قديمة - حديثة امتدت من نهاية 2006 بالعودة وليس الاكتفاء برجوع عابر.
سر العودة
يبدو ان الحياة الهادئة التي عاشها «شومي» بعد الاعتزال لم تلائمه، هو من امضى 16 عاما على حلبات يطلق عليها البعض تسمية «حلبات الموت» نظرا لما تنطوي عليه من خطورة على حياة السائقين.
بيد ان عودة شوماخر اليوم الى الرياضة عن عمر 41 عاما يمثل تهديدا لحياته وتاريخه الناصع.
لا شك في ان الرغبة في القيادة مجددا وخوض التحديات كان عاملا حاسما عجز شوماخر عن كبته طويلا، دون ان نحيد تماما العرض المغري المتمثل في حصوله على راتب سنوي قدره سبعة ملايين يورو في السنة الواحدة.
يقول السائق الاسكتلندي القديم جاكي ستيوارت: «المسألة بعيدة عن التعقيد. اعتزل شوماخر مبكرا جدا. لم يضع فكرة التسابق جانبا في يوم من الايام ولذا خاض غمار سباقات الدراجات النارية».
ويوافق البرازيلي روبنز باريكيللو على هذا الرأي، هو من زامل السائق الالماني طويلا في فيراري: «اعتقد انه سئم الضجر بعيدا عن الحلبات واشتاق الى القيادة، وعندما اتصل به (البريطاني) روس براون (مدير مرسيدس جي بي)، لم يكن (شوماخر) قادرا على مواجهة رغبته بالعودة. اعتقد بأنه سيكون سريعا في السباقات كما كان دائما».
النمسوي نيكي لاودا الذي عاد عن اعتزاله بعد سنتين ليحقق لقبا عالميا ثالثا في مسيرته المظفرة، قال: «منذ ان نمى الى علمي ان شوماخر سيقوم بتجربة سيارة فيراري لتعويض ماسا، تأكدت بأن حب القيادة ما زال يشتعل في قلبه وبأن عودته محتومة»، وتابع: «عندما قررت العودة الى الحلبات في 1982، شعرت بأنني لم ابتعد في الاساس فأحرزت لقبي الثالث».
وفي سباقه الاخير على حلبة انترلاغوس العام 2006، قدم «شومي» اداء رائعا لم يعط مؤشرات على انه سيبتعد عن الاضواء بعده، بيد ان البعض يرى بأنه اجبر على الاعتزال، ويقول السائق الايرلندي الشمالي السابق جون واتسون: «اعتقد بأن شوماخر اراد الاستمرار في 2007 الا ان تعاقد فيراري مع (الفنلندي كيمي) رايكونن ووجود ماسا دفعا به الى الابتعاد الموقت».
وخلال فترة الثلاث سنوات، لم يطلق «بروم بروم» اجواء السباقات اذ قام بتجارب على سيارات فيراري وشارك في سباقات الكارتينغ والدراجات النارية، ويقول روس براون: «عندما رأيت الحماسة التي اعترت شوماخر ازاء العودة لتعويض ماسا، شعرت بأن ثمة شعلة قوية داخله. تأكدت من ذلك الواقع عندما فاتحته بعرض مرسيدس».
آلية العودة
وفي اطار استعداداته لفتح صفحة جديدة في الفئة الاولى، دخل شوماخر في تدريبات قاسية اعتاد عليها خلال مشاركاته السابقة، ولا يتوقع الخبراء بأن يواجه جسمه اي مشاكل في الاستجابة لمتطلبات فورمولا واحد.
«البارون الاحمر» (وهو احد القاب شوماخر عندما كان في عداد فيراري) استعاد حاليا الوزن المثالي الذي كان عليه يوم الاعتزال (74 كلغ) وشرع في الخضوع للتدريبات لخمس ساعات يوميا بمعدل ستة ايام في الاسبوع.
الام الاصابة التي تعرض لها في العنق بعد سقوطه من الدراجة النارية زالت تماما وبات مستعدا لخوض غمار سباق البحرين، الجولة الاولى من بطولة 2010.
يقول الطبيب الفيزيائي جيري كونفاي: «لا يوجد سبب يمنع شوماخر من التمتع بجسم لائق. اعتنى بنفسه بشكل مثالي عبر السنوات وتدرب كثيرا حتى عندما ابتعد عن الصورة. غالبية الرياضيين تبلغ قمة اللياقة البدنية في الثلاثينات. شوماخر يبلغ الـ41 وهو بات اقوى نتيجة تراكم التدريبات عبر السنوات. اعتقد بأنه سيكون اقوى من سائقين يافعين مثل (مواطنه) سيباستيان فيتيل الذي بدأ يخضع للتدريبات القاسية منذ فترة وجيزة».
معلوم ان شوماخر منح اللياقة البدنية في تسعينات القرن الماضي مفهوما اخر، فخلال التجارب كان الطبيب الشخصي يرافقه ويحصل دوريا على عينة من دمه لتحليل الالية التي يتجاوب فيها جسمه مع الاجهاد الذي تتسبب به قيادة سيارة فورمولا واحد.
مجموعة كبيرة من الخبراء اهتمت بنظامه الغذائي والتدريبات ذات الصلة بالقلب والاوعية الدموية وتدريبات القوة والتحمل.
والجدير ذكره ان الفريق الطبي نفسه يرافق شوماخر حاليا في حملة العودة الى الحلبات.
واعتمد «شومي» اجهزة رياضية خاصة لاستعادة لياقته البدنية بما فيها جهاز خاص لتقوية عضلات العنق، بالاضافة الى مزاولته ركوب الدراجة الهوائية لساعات عدة يوميا، وبناء العضلات مستخدما اوزانا متوسطة وتسلق الجبال.
مجد وخيبة
ما كان شوماخر ليعود الى الحلبات لو شك للحظة بقدرته على اصابة النجاح. اداؤه في سباقه الاخير العام 2006 لم يشر الى انتهاء مسيرة، بيد انه لم يبتعد عن الاجواء خلال سنوات الاعتزال، ويقول واتسون: «اعتقد بأننا لن نرى الا اختلافا بسيطا بين شوماخر 2010 وشوماخر 2006. عندما عاد لاودا عن الاعتزال، لم نلحظ تغييرا. لا شك في انه سيعود اقوى من اي وقت مضى».
اما السائق الفنلندي هايكي كوفالاينن فيقول بأن الراحة التي عرفها «شومي» منذ 2006 ساهمت في اعادة شحن جسده وارادته ورغبته، ويقول: «حظي بالوقت اللازم للاستعدادا جيدا للموسم 2010. لو كتبت له العودة منتصف الموسم الماضي لتعويض ماسا، لما كان الوضع مشابها لما هو عليه اليوم»، ويتابع: «سيكون من المثير متابعة شوماخر في الحلبات. لا اعتقد بأنه كان ليتخذ قرار العودة لو انه لا يثق بقدرته على المنافسة جديا على اللقب. يدرك تماما ما يقوم به ولا شك في انه كان يتابع السباقات ويقول في نفسه: ما زلت افضل من هؤلاء السائقين. لذا سأعود وأهزمهم».
الفارق الوحيد ربما بين 2006 و2010 يتمثل في وجود سائقين صاعدين موهوبين ابرزهم فيتيل والبريطاني لويس هاميلتون بطل 2008، وسيكون من المثير متابعة تعاطيه مع تلك المواهب، ويقول واتسون: «اعتقد بأنهما سيمثلان شوكة في طريق شوماخر. هل سيكون قادرا على مجابهة اللياقة البدنية التي يتمتع بها هذان السائقان؟ لا اعتقد انه سيستسلم».
وأكد فيتيل (22 عاما)، سائق ريد بول، أن الفوز بلقب بطولة العالم لن يصبح أكثر عناء بعد عودة شوماخر وأشار إلى أن التفوق على الاخير لن يجعل التتويج أكثر قيمة.
السائق الايطالي السابق ريكاردو باتريزي يرى بأن شوماخر سيكون قادرا على احراز اللقب شرط ان تعينه السيارة وان يتأقلم بسرعة مع القوانين الجديدة.
سائق سابق ايضا هو النمسوي غيرهارد بيرغر يقول: «ما زالت القيادة تسري في دم شوماخر. اشتم انجازات اضافية ولذا قرر العودة. لا يمكن ان يركز على منافسة فيتيل وهاميلتون. سيخوض كل سباق محاولا الفوز به دون الاكتراث الى المنافسين».
من جهته، يقول البريطاني جوني هيربرت، زميل شوماخر السابق في فريق بينيتون، ان «امكان حصوله على اللقب مجددا يتوقف على نقاط عدة. الابرز يتمثل في ان يمتلك رغبة جامحة في التتويج. ولا شك في ان شوماخر اثبت مرارا بأنه الاكثر تعشطا للالقاب».
اما جاكي ستيوارت فيؤكد بأن «فورمولا واحد كانت تحتاج الى عودة شوماخر بيد انني لا اعتقد بأنه قادر على نيل اللقب هذا العام. اتوقع صراعا بين السائقين الصاعدين».