|كتب رضا السناري|
رغم المطالبات التي لم تنقطع خلال السنوات الماضية بتأسيس هيئة لسوق المال الكويتية كضرورة لتطوير البورصة، والاستجابة لها بإقرار قانون يدخل هيئة سوق المال حيز التنفيذ خلال عام من صدور اللائحة التنفيذية للقانون الذي نشر في الجريدة الرسمية الاسبوع الماضي، إلا أن الحديث عن التطوير يكاد يكون قد خلا نسبيا من التطرق بالتفصيل إلى درجة كفاءة البورصة المطلوبة، ومكونات نضوجها حسب المعايير الدولية التنافسية.
لكن مع اقرار القانون بات من البدهي ان يسأل المستثمرون الأجانب والمحليون عما إذا كان «هيئة سوق المال» يقدم معالجة حقيقة لمواطن ضعف الكويت القائمة من حيث نضوج سوق المال. ام انه ترك بعض المعوقات عالقة؟
كانت لجنة الكويت الوطنية للتنافسية قد أحصت قبل اقرار القانون، في تقريرها السنوي للعام 2009، عوامل الضعف وعوامل القوة في كفاءة سوق المال، باعتباره ركناً من أركان التنافسية. ورصدت في هذا الإطار جملة عوامل تشكل تنافسية الكويت على هذا الصعيد.
أظهر ذلك التقرير أن الكويت تحتل المرتبة 51 في عام 2008/2009 من حيث مكوّن تطور السوق المالية وهي مرتبة متراجعة دوليا، فيما تراجع ترتيبها من المرتبة الثامنة إلى الحادية عشرة في الفترة نفسها حسب عينة اللجنة على مدى العامين الأخيرين.
وفي رصده لمدى درجة نضوج سوق المال أشار إلى تسعة مكونات للقياس معتمدة في قياس مؤشرات التنافسية التي يعدها البنك الدولي سنوياً.
وبحسب عينة لجنة الكويت الوطنية للتنافسية امتلكت الكويت منها على مدار العامين الأخيرين 3 مواطن قوة، وهي:
1 - درجة متانة لحماية المستثمر، (الترتيب العالمي للكويت في المرتبة 19).
2 - متانة البنوك الكويتية عالية نسبيا، فالبنوك في حالة جيدة بصفة عامة، وتتمتع بميزانيات عامة سليمة يضعها (المرتبة 29 عالمياً).
3 - الحصول على قروض بنكية هو مسألة يسيرة نسبيا محليا (الترتيب 39 عالمياً).
اما مواطن ضعف الكويت فتتعلق بالمكونات التالية:
1 - توافر رأس المال للمشاريع الرائدة، اذ يكون من الصعب امام المبادرين اصحاب المشاريع الابداعية ذات المخاطر العالية ان يجدوا رأس المال اللازم (الترتيب العالمي للكويت 36).
2 - التمويل من خلال سوق المالي المحلي صعب نسبيا (الترتيب 41).
3 - تطور لوائح سوق المال ضعيفة نسبيا بالمعايير العالمية (الترتيب 50).
4 - تدفق رأس المال إلى الداخل او إلى الخارج مقيد نسبيا بحكم القانون (الترتيب 53).
5 - قوة الحقوق القانونية للكويت 4 من 7 وهذا يضعها في (المرتبة 72 عالمياً).
6 - أخيرا فان تنظيم سوق الاوراق المالية في الكويت غير فعال ويخضع لتأثيرات كثيرة من قطاع الأعمال ومن الحكومة (الترتيب 83 ).
ومن نافل القول أن تطور سوق المال يعد أمراً حيوياً لحسن أداء الاقتصاد، وهذا ما أكدته تماما الأزمة المالية العالمية الحالية، خصوصا وان من اعتبارات القدرة على مواجهة تداعيات الأزمة، نضوج الأسواق المالية وهذا يتوقف على مؤشر الأمان الذي تقدمه، ومدى ممارستها لمعطيات الكفاءة المختلفة.
وان كان احد لا ينكر اهمية خطوة اقرار هيئة سوق المال الا ان مجرد اقرار القانون يسلط الاضواء على مدى قدرة هيئة سوق المال المرتقبة في رفع كفاءة سوق المال المحلية وتنظيم اعماله إلى الدرجة التي تحدث معها نوعا من النضوج بالمعايير الدولية، ويشير مراقبون في هذا الخصوص إلى انه من غير المأمول ان تعالج هيئة سوق المال جميع مواطن الضعف القائمة في الكويت بمجرد اقرارها، ومن المتوقع ان تستمر بعض المعوقات قائمة حتى بعد تدشين عمل الهيئة، وتبين الاراء التي حصلت عليها «الراي» حول مدى درجة نضوج سوق المال الكويتي بعد اقرار قانون هيئة سوق المال، انه ورغم صدور تقرير لجنة الكويت الوطنية للتنافسية قبل اقرار قانون هيئة سوق المال الا ان غالبية مواطن الضعف المشار اليها لا تزال قائمة حتى الآن. وتحديدا في ما يتعلق بالموطن الأول في هذا المجال، حيث لا تزال هناك صعوبة واضحة في مدى توفر رأس المال اللازم للمشاريع الرائدة امام المبادرين اصحاب المشاريع الابداعية ذات المخاطر العالية.
اما بالنسبة للتمويل من خلال السوق المحلي فلم يعد صعبا مثل السابق، الا انه بات اعلى كلفة نسبيا، وهذا في حد ذاته معوق امام البعض وان كان اقل تحديا من صعوبة التمويل نفسه، كما ان درجة التطور التي شهدها السوق المحلي لا تزال ضعيفة حتى الآن، وتحتفظ بمعدلاتها السابقة، فمن الملاحظ ان البورصة الكويتية تكاد تكون مغلقة على مستثمريها المحليين، فنسبة تملك الكويتين لا تزال قليلة وعلى مستوياتها السابقة، وربما تكون شهدت بعض التراجع بسبب تداعيات الأزمة، وهذا يجعل الكويت على تصنيفها في الترتيب العالمي، لكن اذا اردنا النظر إلى نصف الكوب الآخر بمقارنة السوق الكويتي بالاسواق الاقليمية يتضح ان درجة النضوج تتحول من ضعيفة نسبيا إلى مقبولة. كما ان من المرتقب ان يساهم عمل هيئة سوق المال في استقطاب توسيع دائرة المستثمرين خصوصا الاجانب الذين ينتظرون لدخولهم الكويت احساسهم بالطمأنينة تجاه الإجراءات المطبقة في الكويت.
وبالنسبة للركن الرابع والخامس المتعلقين بدرجة تدفق رأس المال ومؤشر قوة الحقوق القانونية فلا تزال على معدلاتها، وان كان المراقبون يوضحون ان بعض المعايير الدولية بالنسبة لبعض المجالات ومنها القانونية لا يمكن الاصطفاف عليها كثيرا، باعتبارها المؤشر الوحيد الذي يتعين به قياس كفاءة سوق الكويت المالي، اذ ان هذه المعايير تمتاز بانها متشعبة كثيرا، واحيانا يتم التقييم في ظل غياب معلومات لم تقدمها الحكومة لسبب أو آخر عن هذا المجال، أو ربما تكون الدرجة الممنوحة على اساس تأخر اقرار قانون ما يجري الحديث عنه أو ما شابه ذلك، كما انه من المتعارف عليه ان الدول المتقدمة والنامية لا تقف على مسافة واحدة من حيث معطيات منظومتها القائمة والمطبقة بالفعل، فالتباين كثير ومؤشرات القياس مختلفة تماما، فعلى سبيل المثال هناك قضية العمالة، حيث لا يمكن تطبيق حقوق العمالة في الدول النامية بالمسطرة نفسها المطبقة في الدول المتقدمة، فمستوى الثقة بين القوة العاملة بين العالمين ليس واحدا، ويكفي الاشارة إلى ان 40 في المئة من المجتمعات العربية تعاني من البطالة حسب بعض الدراسات، وهنا يتولد اغراء لرب العمل في الدول النامية غير موجود في الدول المتقدمة، وتنازل من قبل العامل، حتى ان التباطؤ الاقتصادي يوجد حالة من الشعور بولاء أكبر لارباب العمل، وهذا ما قد تغفل عنه احيانا المعايير الدولية.
اما بالنسبة لموطن الضعف الاخير الذي يتعلق بعدم فعالية تنظيم سوق المال، فتشير الاراء إلى انه لا يزال قائما الا انها تبين ان هذا الركن سيتغير بطبيعة الحال بسريان نشاط هيئة سوق المال التي تأتي لمعالجة التأثيرات المتباينة سوى التي تتم عبر قطاع الاعمال أو من الحكومة، الا ان ذلك يحتاج إلى نحو 6 اشهر اضافية من مزاولة هيئة سسوق المال لدورها، تكون الهيئة خلالها قد انتهت من وضع الانظمة الداخلية المنظمة، وانتقل مع ذلك جميع الادوار من البورصة اليها، حيث من المتوقع بعد هذه الفترة ان تكون هيئة سوق المال على رأس عملها بجميع متطلبات النضوج الممكنة.
اما في ما يتعلق بالاستعداد التكنولوجي ومدى سرعة الاقتصاد في استيعاب التكنولوجيا الحديثة من اجل تعزيز إنتاجيته فهذا بحث آخر، خصوصا وان الترتيب العالمي للكويت قد انخفض من المرتبة الـ 47 في عام 2007 و2008 إلى المرتبة 50 في عام 2008 و2009، بينما ظل ترتيب الكويت في عينة لجنة الكويت الوطنية كما هو (المرتبة الـ 10).