برغم الانفتاح العالمي بين الثقافات عبر وسائل الاتصالات الحديثة سواء عبر الانترنت أو القنوات الفضائية (والمصادر الوفيرة التي تشرح الفروقات بين الحضارات والثقافات في دول العالم) فانه من الصعوبة الكبيرة أن نرى كيف يمكن لبعض وسائل الإعلام أن تتطاول على عقولنا بتشويه الصور الجميلة لغاية تخصها.
فمن المؤسف كيف يفسر البعض بكاء رئيس «تويوتا» أكيو تويودا على أنها إقرار بالذنب (دون استقصاء معنى بكاء الرجال في الثقافة اليابانية)، ويتخذ البعض الصور التي أطلقتها وسائل الإعلام العالمية لتويودا وهو يبكي كحجة للجوء إلى القضاء.
صحيفة «وول ستريت جورنال» العالمية الشهيرة لاحقت أكيو تويودا إلى الصين لتعرف منه سبب بكائه، فبالبكاء في ثقافة الأميركيين دلالة على الضعف.
ولكن كل من يفقه الثقافة اليابانية يعرف جيدا بأن اليابانيين لا ترتسم على وجوههم في غالب الأمر تعابير الفرح أو الحزن أو العاطفة، وهم يستبدلون ذلك بالبكاء.
فبينما نرى بكاء الرجال في ثقافتنا على أنه ضعف، وأنه ليس من صفات الرجال، فإن اليابانيين ينظرون إلى بكاء الرجال أو النساء على حد سواء كنوع من الحب والإخلاص.
لذلك عندما بكى أكيو نهضت اليابان احتراما له، وبكت معه لا لمُلك ضاع كما صور البعض، أو كإقرار بالذنب، ولكن لأنه يعبر عن كامل الحب والإخلاص. وردد اليابانيون عبارة شهيرة لديهم هي otoko naki وتعني البكاء برجولة، خلافا تماما لما نقول في ثقافتنا بأن البكاء للنساء فقط وكأن الدموع قد حرمت على وجنات الرجال.
وعندما سألته «وول ستريت جورنال» عن سر بكائه في الولايات المتحدة، قال أكيو «اعتبرت نفسي خط الدفاع الأخير عن 200 ألف عضو يعملون لدى تويوتا ووكلائها ومموليها عبر الولايات المتحدة، وهم الآن تحت المجهر بعد استدعاء 8.5 مليون سيارة».
وتعرض أكيو نفسه للضغوطات ذاتها في الكونغرس الأميركي، ووضع تحت المجهر الأميركي، ويقول «سعيت لأن أحمي موظفي تويوتا في الولايات المتحدة، ولكن بالنهاية وعندما قابلتهم وجها لوجه، وسنحت الفرصة لأن أتحدث إليهم، وجدت على العكس تماما بأن كل واحد من هؤلاء الـ200 ألف يحاول أن يحميني».
وأضاف «عندما أدركت ذلك، غمرتني العاطفة فبكيت».
في تلك المناسبة التي أعقبت جلسات الاستماع، وقف أكيو وبتواضع تام بين 2000 من موظفي تويوتا غص بهم المركز الرئيسي للشركة، وقال لهم «دعونا نندفع بروح معنوية عالية، ولنتمتع بالثقة وبالتواضع، فنحن اليوم نصنع بداية جديدة».
وليس في اليابان فحسب تلقى الناس صور بكاء تويودا بالاحترام والتقدير، بل وفي الصين أيضا التي أكدت وسائل الإعلام فيها بأن بكاء أكيو أكد صدق مشاعره. وقالت صحيفة «شانغهاي سيكويريتيز» معلقة على صورة بكائه «كان مؤثرا للغاية»، وعن شهادته في الكونغرس قالت نفس الصحيفة «لقد كان صادقا ويستحق التقدير»، وعبرت صحيفة «هونغ كونغ فينكس» بصورة مشابهة.
ويقول كبير المستشارين في A.C.E. للاستشارات ومقرها طوكيو كونيوشي شيراي إن اليابانيين ليس من طبعهم التحكم بعواطفهم، ومنذ زمن طويل يتفاعل اليابانيون مع البكاء وتكفيهم النوايا الحسنة. وأكد ا رئيس شركة ريسك هيدج والتي تقدم استشاراتها لأكبر الشركات في البابان تاتسومي تاناكب أن البكاء بينما هو في الثقافة الأميركية دلالة على الضعف، فإن اليابانيين يعتبرونه من سمات الشرفاء.
وضرب مثالا في استخدام اليابانيين للانحناء عند التحية وتقديم الاحترام، ففيما تراه الكثير من الثقافات حول العالم دلالة على الخنوع والإذلال ومن ضمنها ثقافتنا العربية، يعتبره اليابانيون تكريما وتشريفا وترحيبا للضيوف. وقال بأن بكاء كبار الشخصيات يجد صدى جيدا عند عامة الناس في اليابان.
(عن «الموتورنيوز» و«أسوشييتد برس»)