إجعلنا صفحتك المفضلة
ابحث
الجمعة 03 سبتمبر 2010
11386
الرأي اليوم / الدستور في جيبك والمسطرة في يدك    بوادر تصعيد على أبواب زيادة المصروفات... السرية    القلاف لـ «الراي»: هل الحكومة طفل مولود حتى لا تعرف من يتم اختيارهم للمناصب؟    أوباما: «رمضان» المسلمين و«إلول» اليهود اجتمعا هذه السنة... وهذه الليلة    العجران لـ «الراي»: 5 آلاف جواز خلال أسبوع و45 ألفا بعد العيد و300 ألف الشهر المقبل    ضم مساعدات العيادة الخارجية إلى كادر التمريض    ناصر المحمد زار ديوان المهري: نعيش نفحات العشر الأواخر    رائد متقاعد يعرض كليته للبيع لعلاج ابنه المريض بالسرطان    هل يقف حلفاء علاوي «حجر عثرة» في طريق «حلمه» ترؤس الحكومة مجددا؟    أحمدي نجاد: «الأعداء» لا يريدون أن تتطور علاقاتنا مع السعودية ومصر    لبنان يراقب الاحتفالية الأميركية بـ «التسلم والتسليم» بين الانسحاب القتالي من العراق ودخول المفاوضات
RSS أرشيف الجريدة PDF

أول من أحدثه صاحب «إربل» الملك المظفر في أوائل القرن السابع الهجري
الاحتفال بذكرى المولد النبوي... يجيزه البعض ويستحسنه بضوابط ويراه آخرون بدعة محرّمة محدثة ولا أصل لها في الدين
| كتب عبدالله متولي |

تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام - وتحديداً منذ مطلع شهر ربيع الأول - في رحاب ذكرى أعظم مولد على سطح الأرض، مولد مخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهاديهم إلى الصراط المستقيم... مولد البشير النذير والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير... مولد سيد ولد آدم أجمعين الصادق الأمين والرسول الأعظم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
انها ذكرى مولده الشريف الذي يعتبر الحدث الأبرز والأهم في التاريخ الإنساني لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسول الله للناس أجمعين، ومخلص البشرية من جهالات الظلم والعبودية لغير الله سبحانه وتعالى.
فيوم وُلد الرسول الكريم تهاوت أركان الظلم من عليائها، وتساوت حقوق الإنسان مع أخيه الإنسان، وشاع العدل وانتشر في النفوس... وأصبحت لا ترى إلا نوراً ولا تسمع إلا عدلاً ولا تلمس إلا حناناً ومحبة، ولا تشم أو تتذوق إلا أطيب حياة.
هذه الذكرى العطرة ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ما إن تحل في كل عام إلا وتختلف حول الاحتفال بها الآراء، فهذا فريق يجيز الاحتفال بها بضوابط، وفريق آخر يرى الاحتفال بذكرى المولد النبوي بدعة لا أصل لها.
وفي هذه العجالة سنحاول أن نعرض بايجاز آراء الفريقين علنا نساهم في كشف بعض الحقائق حول هذا الموضوع.
يرى المؤيدون أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي من البدع الحسنة للاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا العمل لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في ما يليه، إنما أحدث في أوائل القرن السابع للهجرة، وأول من أحدثه ملك إربل وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا يقال له المظفر.
وقد جُمع لهذا كثير من العلماء منهم من أهل الحديث الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، وتلميذه الحافظ السخاوي، وكذلك الحافظ السيوطي وغيرهم.
وذكر الحافظ السخاوي في فتاواه أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة، ثم مازال أهل الإسلام من سائر الأقطار في المدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.
وللحافظ السيوطي رسالة سماها «حسن المقصد في عمل المولد»، قال: «فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟»، والجواب عندي: أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
وأول من أحدث فعل ذلك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدّين علي بن بكتكين، وكان له آثار حسنة، وهو الذي عمَّر الجامع المظفري بسفح قاسيون.
قال ابن كثير في تاريخه: «كان يعمل المولد الشريف - يعني الملك المظفر - في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه. قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلدا في المولد النبوي أسماه «التنوير في مولد البشير النذير» فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في المُلك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمئة محمود السيرة والسريرة».
ويذكر سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان أنه كان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية.
وقال ابن خلكان في ترجمة الحافظ ابن دحية: «كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشام والعراق، واجتاز بإربل سنة أربع وستمئة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب «التنوير في مولد البشير النذير»، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار».
قال الحافظ السيوطي: «وقد استخرج له - أي المولد - إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانيًا...».
فتبين من هذا أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة فلا وجه لانكاره، بل هو جدير بأن يسمى سنة حسنة لأنه من جملة ما شمله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء» وإن كان الحديث واردا في سبب معين وهو أن جماعة أدقع بهم الفقر جاءوا إلى رسول الله وهم يلبسون النِّمار مجتبيها أي خارقو وسطها، فأمر الرسول بالصدقة فاجتمع لهم شيء كثير فسرّ رسول الله لذلك فقال: «من سنَّ في الإسلام...» الحديث.
وذلك لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، ومن أنكر ذلك فهو
أدلة جواز الاحتفال
وللمؤيدين للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أدلة يستدلون بها على رأيهم منها:
الأول: ان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد انتفع به الكافر.
فقد جاء في البخاري انه يخفف عن أبي لهب كل يوم الاثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ويقول في ذلك الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي إذا كان هذا كافراً جاء ذمه بتبت يداه في الجحيم مخلدا، أتى انه في يوم الاثنين دائماً يخفف عنه للسرور بأحمداً، فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسروراً ومات موحدا.
وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح مرسلة ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح ورواها الإمام عبدالرزاق الصنعاني في المصنف والحافظ البيهقي في الدلائل وابن كثير في السيرة النبوية من البداية ومحمد ابن عمر بحرق في حدائق الأنوار والحافظ البغوي في شرح السنة وابن هشام والسهيلي في الروض الأنف والعامري في بهجة المحافل، وهي وان كانت مرسلة إلا انها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام، وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام، وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا محل بسطه، والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثاني: انه صلى الله عليه وسلم كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالجود لهذا الوجود، إذ سعد به كل موجود، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صيام يوم الاثنين؟ فقال: (فيه ولدت وفيه أنزل عليّ) رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام.
وهذا في معنى الاحتفال به، إلا ان الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو اطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو سماع شمائله الشريفة.
الثالث: ان الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم الرحمة، قال الله تعالى «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها.
وقد أصّل صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة بنفسه كما صرح في الحديث الصحيح انه صلى الله عليه وسلم: لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له: انهم يصومون لأن الله نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكراً لله على هذه النعمة، فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.
الخامس: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما».
وما كان يبعث على المطلوب شرعا فهو مطلوب شرعا، فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية، وإمدادات محمدية، يسجد القلم في محراب البيان عاجزاً عن تعداد آثارها ومظاهر أنوارها.
هذا بعض من أدلة المجوزين للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف... وقد اعتبروه لحظة فرح وسرور يهتز لها الكون كله، مشيرين إلى انها مسألة عادية محضة لا دينية وانها ليست عبادة ولا شريعة ولا سنة وما هي إلا أن جرت عادة الناس بها.
بدع منكرة
وعن رأي الرافضين للاحتفال بذكرى المولد النبوي فسنعرض لرأي العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية الذي قال:
إن من جملة ما أحدثه الناس من بدع منكرة «الاحتفال بذكرى المولد النبوي» وهم في هذا الاحتفال على أنواع: فمنهم من يجعله مجرد اجتماع تقرأ فيه قصائد المولد، أو تقدم فيه خطب وقصائد في هذه المناسبة، ومنهم من يصنع الحلوى، ومنهم من يقيمه في المسجد، ومنهم من يقيمه في البيوت، ومنهم من يجعل الاجتماع يشتمل على محرمات ومنكرات، وهو بجميع أنواعه واختلاف أشكاله واختلاف مقاصد فاعليه لا شك ولا ريب بدعة محدثة محرمة.
وقد يتعلق من يرى إحياء هذه البدعة بشبه أو هي من بيت العنكبوت، ويمكن حصر هذا الشبه في ما يلي:
1 - دَعْوَاهُم أنَّ في ذلك تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن ذلك أنْ نقول: إنما تعظيمه صلى الله عليه وسلم بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه ومحبته صلى الله عليه وسلم، وليس تعظيمه بالبدع والخرافات والمعاصي، والاحتفال بذكرى المولد من هذا القبيل المذموم؛ لأنه معصية. وأشد الناس تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة رضي الله عنهم -، كما قال عروة بن مسعود لقريش: (يا قوم! والله لقد وفدت على كِسْرَى وقَيْصَر والملوك، فما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما يمدون النظر إليه تعظيماً له)، ومع هذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه.
2 - الاحتجاج بأن هذا عمل كثير من الناس في كثير من البلدان.
والجواب عن ذلك أن نقول: الحجة بما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم. والثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عن البدع عموماً، وهذا منها. وعمل الناس إذا خالف الدليل فليس بحجة، وإن كثروا: «وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ» (الأنعام: 116)، مع أنه لا يزال - بحمد الله - في كل عَصر مَن يُنكر هذه البدعة ويبين بطلانها، فلا حُجَّة بعمل من استمر على إحيائها بعد ما تبين له الحق.
فَمِمَّن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم»، والإمام الشاطبي في «الاعتصام»، وابن الحاج في «المدخل»، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي ألَّف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه «صيانة الإنسان»، والسيد محمد رشيد رضا ألَّف فيه رسالة مستقلة، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقلة، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة.
3 - يقولون: إن في إقامة المولد إحياء لذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن ذلك أن نقول: إحياء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يكون بما شرعه الله من ذكره في الأذان والإقامة والخُطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وقراءة سنته واتباع ما جاء به؛ وهذا شيء مستمر يتكرر في اليوم والليلة دائماً، لا في السنة مرة.
4 - قد يقولون: الاحتفال بذكرى المولد النبوي أحدثه مَلِكٌ عادل عالم، قصد به التقرب إلى الله!
والجواب عن ذلك أن نقول: البدعة لا تُقبل من أي أحد كان، وحسْن القصد لا يسوِّغ العمل السيئ، وكونه عالماً وعادلاً لا يقتضي عصمته.
5 - قولهم: إن إقامة المولد من قبيل البدعة الحسنة؛ لأنه يُنَبِئ عن الشكر لله على وجود النبي الكريم!
ويجاب عن ذلك بأن يقال: ليس في البدع شيء حسن؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ويقال أيضاً: لماذا تأخر القيام بهذا الشكر - على زعمكم- إلى آخر القرن السادس، فَلَم يَقُم به أفضل القرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشدّ محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأحرص على فعل الخير والقيام بالشكر؛ فهل كان من أحدث بدعة المولد أهدى منهم وأعظم شكراً لله عز وجل ؟ حاشا وكلاَّ.
6 قد يقولون: إن الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ينبئ عن محبته؛ فهو مظهر من مظاهرها وإظهار محبته صلى الله عليه وسلم مشروع!
والجواب أن نقول: لا شك أن محبته صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين - بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه -، ولكن ليس معنى ذلك أن نبتدع في ذلك شيئاً لم يشرعه لنا، بل محبته تقتضي طاعته واتباعه؛ فإن ذلك من أعظم مظاهر محبته.
فمحبته صلى الله عليه وسلم تقتضي إحياء سنته والعضّ عليها بالنواجذ ومجانبة ما خالفها من الأقوال والأفعال، ولا شك أن كل ما خالف سنته فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة، ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده وغيره من البدع. وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين؛ فإن الدين مبني على أصلين: الإخلاص، والمتابعة، قال تعالى: « بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ» البقرة: 112، فإسلام الوجه هو الإخلاص لله، والإحسان هو المتابعة للرسول وإصابة السنة.
وخلاصة القول: ان الاحتفال بذكرى المولد النبوي بأنواعه واختلاف أشكاله بدعة منكرة يجب على المسلمين منعها ومنع غيرها من البدع، والاشتغال بإحياء السنن والتمسك بها، ولا يُغْتر بمن يروِّج هذه البدعة ويدافع عنها؛ فإن هذا الصنف يكون اهتمامهم بإحياء البدع أكثر من اهتمامهم بإحياء السنن، بل ربما لا يهتمون بالسنن أصلاً، ومن كان هذا شأنه فلا يجوز تقليده والاقتداء به، وإن كان هذا الصنف هم أكثر الناس، وإنما يقتدي بمن سار على نهج السنة من السلف الصالح وأتباعهم وإن كانوا قليلاً؛ فالحق لا يُعْرف بالرجال، وإنما يُعْرف الرجال بالحق.
قال صلى الله عليه وسلم: «فإنه مَن يَعِش مِنكُم فَسَيَرَى اختلافاً كثيراً؛ فَعَليكُم بِسُنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين مِن بَعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»، فبين لنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف بمن نقتدي عند الاختلاف، كما بين أن كل ما خالف السنة من الأقوال والأفعال فهو بدعة وكل بدعة ضلالة.
وإذا عرضنا الاحتفال بالمولد النبوي لم نَجِد له أصلاً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في سنة خلفائه الراشدين، إذاً فهو من محدثات الأمور ومن البدع المضلة، وهذا الأصل الذي تضمنه هذا الحديث قد دَلَّ عليه قوله تعالى: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» النساء: 59. والرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته؛ فالكتاب والسنة هما المرجع عند التنازع، فأين في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي؟
فالواجب على من يفعل ذلك أو يستحسنه أن يتوب إلى الله - تعالى - منه ومن غيره من البدع؛ فهذا هو شأن المؤمن الذي ينشد الحق، وأما من عاند وكابر بعد قيام الحجة فإنما حسابه عند ربه.
تعليق على المقال
الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
أرسل
Alrai.com © All Rights Reserved.